تعريف الموسيقى ومفهومها عند العرب
تعريف الموسيقى ومفهومها عند العرب
الموسيقى غذاء للروح وشفاء للنفس، ملهمة الفنان، مفككة الأحزان، محركة الشعور، مهدئة الأعصاب، مقوية العزيمة، مبعدة الهزيمة، علاج المرضى.
يتذوقها الطفل الرضيع والشاب المراهق، الرجل العاقل والكهل المسن، كل على هواه. يطرب لسماعها كل إنسان، أيا تكن البيئة التي ينتمي إليها أو اللغة التي يتكلم بها وكأنها وجدت قبل وجوده وجبلت وعجنت بدمه فأخذت من حواسه وتفكيره. كيف لا وقد خلق الله الإنسان في طبيعية موسيقية، من خرير مياه النهر إلى صوت الموج الصاخب، ومن حفيف أوراق الأشجرا إلى صوت الرعد الصارخ، ومن هديل الحمام وزقزقة العصافير إلى زمجرة أسد غاضب. كل هذه الأصوات سمعها الإنسان منذ نشأته الأولى فرعاها وأدركها وحاول تقليدها ثم آخى بين بعضها بعضا، وزاوج بين بعضها الآخر، فتكونت لديه موهبة جديدة. ثم اخترع الآلات الموسيقية والأدوات الصوتية ليريح جسده من الرتابة وعناء التقليد، ثم شارك بين صوته وصوت الآلة فكان من ذلك كله انسجام جديد وعمل طريف ما زال يتطور ويتقدم حتى تكونت الموسيقى.
وهكذا فإن الموسيقى قديمة قدم الإنسان، عرفتها جميع الشعوب منذ عصور التاريخ السحيقة وما قبل التاريخ، فهي من مستلزمات الحياة الفردية والاجتماعية لا يكاد يخلو منها زمان أو مكان. وقد أجمعت الدراسات النفسية في كل العصور على أن الموسيقى تلطف المشاعر وترهف الأحاسيس وتسمو بالنفوس وتبعث فيها النشوة والبسمة. وحيث أن الإنسان العربي قديم قد التاريخ. وإن الآثار كشفت عن وجود ممالك عربية ذات مدنيات خاصة تضارع بابل وأشور. لذلك لا بد لنا من كشف النقاب عن هذا الفن عند العرب.
وهنا يعود بنا التاريخ إلى العصر الجاهلي حيث اشتهر العرب بفن الغناء والشعر. وإن الشعر الجاهلي بما يبلغه من تطور ونضج ينم عن مدى تعلق العرب المبكر بهذا الفن، ويدل على أهميته الكبرى عندهم. ونستطيع أن نتبين أعماق الفكر العربي في هذا المجال إذا قرأنا أشعار امرئ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى والأعشى وعنترى وغيرهم. وإن ما يتميز به هذا الشعر من موسيقى وإيقاع بسبب الأوزان والقوافي قد منح الإنسان العربي ذوقا رفيعا في الموسيقى والغناء، وأذنا تتقبل الإيقاعات التي تتفق مع ذوقه الموسيقي.
ثم تطور هذا الفن الموسيقي في ركب الحضارة العربية حتى بلغ ذروة مجده. وإذا ما تطلعنا إلى هذا التطور فإننا نذهل لضخامة وقيمة الإبداع الذي أظهره العربي في هذا المجال من إتقان للسلم الموسيقي والآلات الموسيقية.
لقد اهتم العرب اهتماما كاملا بالموسيقى ونظروا إلى هذه الصناعة نظرة إجلال واحترام وحظي المجيدون فيها بكل عناية وتقدير، وشغف بها الخلفاء والأمراء والقضاة والفلاسفة والعلماء وأعطوها حقها من الرعاية والتقدير.
والتقدم في الموسيقى يستتبع التقدم في صناعة الآلات الموسيقية، لا سيما لدى شعب عملي كالشعب العربي. فقد حقق العرب منجزات كبيرة في علم الحيل وتقنية الآلات وجعلوا من صناعة الآلات الموسيقية فنا رفيعا. فهناك عدة وسائل في صناعتها، وهناك دلائل على أن العرب كانوا مبتكرين في هذا المضمار: فزلزل أدخل العود الشبوطي، والزنام أو الزلام رسم آلة هوائية تسمى ناي زنامي أو زلامي، وأضاف زرياب إلى أوتار العود الأربعة وترا خامسا، ورتب هذه الأوتار بحيث يعادل كل وتر ثلاثة أرباع ما فوقه، واخترع مضراب العود من قوادم النسر بعد أن كان من مرهن الخشب. وفي أواخر القرن التاسع الميلادي وضع أبناء موسى بن شاكر أسس وقواعد الموسيقى الميكانيكية واستعملوا البريخ الموسيقي لتوزيع الألحان. هذه الموسيقى التي لم تظهر بوادرها في أوروبا إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي. وفي القرن العاشر الميلادي ابتكر الفارابي الربابة والقانون. واشتهر العباس وأبو المجد بصناعة الأرغن. وأما صفي الدين عبد المؤمن الأرموي فقد اخترع القانون المربع المسمى نزهة وآلة أخرى تسمى المغنى.
هذا هو مفهوم الموسيقى في العالم العربي، وهذا إنتاجهم في هذا المضمار. لقد أبدع المفكرون والعلماء العرب في علم الموسيقى ووصفوا له القواعد والأصول وسموا به سمو النفس الرفيعة المتعالية، واحترموا المجيدين فيه وأعلوا من شأنهم.
ومن حياة العرب اليومية، تؤكد بعض الروايات التي وردت في (الأغاني، إحياء علوم الدين، العقد الفريد) تؤكد على أن الجمل يغير خطواته بحسب تغيير الإيقاع والوزن، والغزال يسهل قيادته بالألحان، والحيات تنسحر، والنمل يرتمي في النار، وبعض الطيور تهوى ميتة على صوت الموسيقى، وان أناساً تأثروا بالصوت الحسن تأثراً شديداً .
والروايات القديمة تحكي لنا الكثير عن هذا الموضوع . نقول إحداها:
" إن الطير والوحش كانت تصغي إلى صوت النبي داوود، والسبعين نغمة التي كانت تصدرها حنجرته، وكان من يسمعه يغمى عليه من الطرب " .
ولقد لعبت الموسيقى دوراً هاماً في أسرار العرافين والسحرة، والأنبياء العرب مثلهم في ذلك مثل جميع الساميين.
ومن الواضح أنهم كانوا يستدعون الجن بالموسيقى، ومن بقايا هذه المعتقدات تمسكهم فيما بعد بأن الجن يوحون بالأشعار للشعراء، وبالألحان للموسيقيين. ويعطينا القرآن بعض التصورات الهامة المتعلقة بالموسيقى والسحر، وقد أكد فقه اللغة الصلة الوثيقة بينهما.
فالعربية تطلق على صوت الجن " العَزْف " وهو اسم آلة موسيقية خاصة أيضاً وحين يشبه اليهود "روح القدس " بأصوات القيثارة، كما نرى في أناشيد سليمان يبدو أنهم استقلوا هذا الرمز البارز من الثقافات البدائية
الموسيقى في العصر الجاهلي
الموسيقى في العصر الجاهلي
من القرن الأول إلى القرن السادس الميلادي
عرف هذا العصر بالعصر الجاهلي لأن عرب الجاهلية كانوا يجهلون تعاليم الإسلام. وفي الحقيقة لم تكن أيام جهل تام، بل بداية لحضارة ساعدت على الحفاظ على التراث العربي القديم.
ويتفق علماء المؤرخين على أن الرعيل الأول من العرب المهاجرين من بلاد العرب الجنوبية بدأ يتحرك حوالي القرن الثاني الميلادي. لذا بدأت الموسيقى العربية تزدهر وتنمو في مناطق ثلاث هي سوريا والعراق وغرب الجزيرة العربية. وكانت سوريا في ذلك الوقت تحتفظ بالكثير من طابع الثقافة السامية كما كانت غسان مركزا له أهمية في الموسيقى العربية. وكان العراق غارقا في خضم الثقافة السامية وفي غرب الجزيرة العربية برز النشاط الموسيقي في مركزين هامين هما الحجاز ومكة. وكانت سوق عكاظ ميدانا رحبا يتبارى فيه الموسيقيون والمغنون والشعراء ويقدمون أروع ما تجود به قرائحهم. أما مكة فقد كانت مركزا عقائديا تقام فيها الشعائر الدينية وكان الحجاج يفدون إليها وهم يغنون غناء فطريا سمي بالتلبية والتهليل.
ولم يستخدم العرب الموسيقى في عباداتهم كما فعل الغرب، خصوصا أنهم قبل الإسلام لم يكن لديهم دين واحد يجمعهم. لذا فإن الموسيقى الدينية قبل الإسلام تكاد تكون مهملة. أما الموسيقى الدنيوية خلال تلك الفترة فقد كانت أكثر أهمية.
وقد لعبت المرأة دورا أساسيا في انتشار الموسيقى العربية قبل الإسلام، إذ كانت نساء القبائل يشتركن في موسيقى الأعياد العائلية أو القبلية بآلاتهن، وقد استمرت تلك العادات حتى عصر النبي محمد الذي احتفل بزواجه من خديجة بالأفراح والموسيقى والرقص.
وكانت هند بنت عتبة على رأس بعض النسوة اللواتي كن يخففن متاعب السفر عن قريش في أحد سنة 625 ميلادية بالأغاني ورثاء قتلى بدر بضرب الدفوف. وعندما حمي وطيس المعركة كن لا يزلن يغنين ويفرحن.
وتجد إلى جانب هؤلاء السيدات طبقة معروفة بالقينات أو القيان تواجدن في كل البقاع التي عاش فيها العربي، كشبه الجزيرة العربية وسوريا والعراق. وقد ظهرت القيان في قصور الملوك وفي بيوت الأثرياء ورؤساء القبائل. كما ظهرن في الحانات وفي مضارب الخيام القبلية. كان اقتناؤهن مدعاة لفخر الأعرابي حيثما وجد، وكانت أهم صناعتهن العزف والغناء. وقبيل فجر الإسلام كان عبد الله بن جدعان أحد أشراف قريش يملك قينتين تسميان جرادتي عاد.
أما بشأن الموسيقى قبل الإسلام، فيقول برون إن الموسيقى قبل الإسلام لم تكن أكثر من ترنم ساذج بنوعه ويحمله المغني أو المغنية تبعا لذوقه أو انفعاله أو ما يريده من تأثير. وميزة المغني في جمال صوته وخفته وذبذبته والشعور الذي يجعل الصوت مستمرا أو متموجا. وكان كل مغن يغني في نغمة واحدة أو مقام، إذ لم يعرفوا تأليف اللحون المتفرقة كما نعرفها نحن، والنوع الوحيد في التأليف الموجود عندهم هو تلك الأنغام التي تبعثها آلات القرع المختلفة من أمثال الطبل والدف والقضيب.
أما الآلات الموسيقية التي انتشرت في العصر الجاهلي فأهمها آلات ضبط الوزن، وأكثرها انتشارا الصنوج والجلاجل. وهناك أيضا آلات الزمر. وكانت كلمة مزمار تطلق على أية آلة قصبية هوائية بشكل عام، وإن كانت تطلق على الني تحديدا.
أما الآلات الوترية فيحدثنا الفارابي عن وجود الطنبور، فالفارابي المتوفي سنة 950 ميلادية يذكر أن الطنبور البغدادي أو الطنبور الميزاني المشهور في عصره كان ذا دساتين توافق دساتين الجاهلية. ويبدو أن العود كان شائعا جدا وكذلك يعرف بأسماء مختلفة مثل المزهر والكران والبربط والموتر.
ومن أشهر الموسيقيين الجاهليين عرف عدي بن ربيعة شارع بني تغلب المشهور والذي لقب بالمهلهل بسبب صوته. وكان علقمة بن عبدة من الشعراء الذين غنوا المعلقات. وينتسب الأعشى ميمون بن قيس لليمامة، وكان يطوف بجميع أرجاء الجزيرة العربية وبيده الصنج يغني الأشعار الرائعة التي وهبته مكانة بين شعراء المعلقات، وكان يسمى صناجة العرب. ومن المؤكد أن النصر بن الحارث، سليل قصي المشهور، كان من شعراء الجاهلية الموسيقيين. وتعلم النصر في بلاط الحيرة العربي العزف على الآلة الجديدة المسماة العود، الذي يبدو أنه حل محل المزهر القديم. وتعلم كذلك الغناء الأكثر فنا الذي حل محل النصب الذي اشتهر بالجاهلية، وأدخل هذه الأشياء الجديدة إلى مكة.
وأشهر المغنيات في عصر الأساطير: جرادتا بني عاد المشهورتان كانتا تسميان تعاد وتماد وكانت هزيلة وعفيرة مغنيتي بني جديس، القبيلة التي أفنت بني طسم. ومن المحتمل أن أم حاتم الطائي الشاعر المشهور كانت موسيقية. وكان الخنساء شاعرة الرثاء المشهورة تغني مراثيها بمصاحبة الموسيقى، وكانت بنت عتبة التي تمثل السيدة العربية الجاهلية شاعرة وموسيقية.
الموسيقى في العصر الأندلسي
الموسيقى في العصر الأندلسي
حداثت النهضة الموسيقية في الأندلس ما بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلادي، تلك النهضة التي ما كادت تنطفئ في الأرض العربية منذ القرن الخامس عشر حتى تلقفها الغرب لتشتعل من جديد في أوروبا منذ أوائل القرن السادس عشر. وقد دخل الإسلام في إسبانيا عام 713 م ونشأت خلافة أموية منفصلة أقامت عاصمتها في قرطبة عام 755 م حيث مارست هذه الخلافة سياسة مستقلة تماما عن الخلافة الشرقية في بغداد.
وقد أنشأ المغاربة مدارس مختلفة في الأندلس في القرن التاسع الميلادي قصدوا بها أن تتفوق على المدارس التي نشأت قبل ذلك في بغداد. وأصبحت قرطبة بعد ذلك مركزا موسيقيا وثقافيا ممتازا. ومن أبرز الموسيقيين العرب الذين ظهروا في ذلك الوقت زرياب العظيم كما أسمته معظم دوائر الغرب. ولا شك أن زرياب يعتبر إمام الغناء العربي وأبرز من ظهر خلال الحضارتين العباسية في بغداد والأموية في قرطبة. وقد تتلمذ زرياب على إسحق الموصلي ودرس الموسيقى الفارسية والعربية الشرقية وأصبح ذا ثقافة عريقة مكنت عبقريته وتفرده اللحني أن يصل مكانة لم يصل إليها موسيقي عربي من قبل. وقد غنى زرياب في بلاط عبد الرحمن بن الحكم الذي استدعاه وأكرم وفادته بعد أن فرّ من بغداد. وقد كانت فرصة سانحة لتزدهر الموسيقى العربية التقليدية وتنتقل إلى آفاق جمالية جديدة.
وأعظم شخصية موسيقية ظهرت في تاريخ الموسيقى العربية في إسبانيا هي شخصية الفارابي، وتعددت الآلات المستخدمة، فاستخدم العود ذو الخمسة أوتار بدل أربعة، وكذلك استخدم الطنبور والشهرود والقيثارة والزهر والكنّارة والقانون والرباب والكمنجة والمزمار والسرناي (آلة تركية الأصل) والناي والشبابة والصفارة، وذلك خلاف الآلات الإيقاعية وآلات النفخ النخاسية.
وأهم الفنون الموسقية التي ابتكرت أثناء الحضارة العربية في الأندلس: فن الموشح. وقد استحدث الموشح عندما شعر عرب الأندلس بحاجتهم في هذه البيئة الجديدة إلى التحرر من قيود أوزان الشعر التي التزموها طوال حياتهم في غنائهم. لذا نظمت الموشحات لتلائم الغناء والموسيقى دون أي التزام جامد بعلوم العروض والقافية التي خضع لها الشعر العربي عامة والغنائي خاصة منذ نشأته. وقد قامت في العصر الأندلسي حركة ترجمة واسعة النطاق. فقد نقل من العربية إلى اليونانية ما كتبه فحول المفكرين العرب أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد. كما نقل إلى العربية الكثير من الكتب اليونانية خصوصا في النظريات وباقي العلوم الموسيقية.
كما ترجمت كتب عربية كثيرة إلى لغات أجنبية، ومن هذه الكتب مؤلفات ثابت بن قرة وزكريا الرازي وإخوان الصفا وابن باجة.
وبعد سقوط الأندلس، انتقلت الآلات الموسيقية العربية كالعود والقيثارة والطنبور.. إلى أوروبا، كما انتقلت أيضا ألحان هذه الآلات. وبعد ذلك بدأت أوروبا بفضل هذا التأثير العربي الواضح أن تعد نفسها لتقيم أكبر نهضة موسيقية عرفها التاريخ. وعند سقوط حضارة العرب في الأندلس، انتقل عدد كبير من سكان هذه البلاد إلى شمال إفريقيا. لذا، فإن الموسيقى الأندلسية تركت أثرا كبيرا في طابع موسيقى هذه البلاد، يمكن أن نلحظ أثره حتى وقتنا هذا.
وفي الميدان الموسيقي كان أوروبا لا تعرف سوى شرذات ضئيلة من النظريات الموسيقية الإغريقية. بينما توصل العرب منذ القرن الثامن الميلادي إلى عمل بحوث ودراسات فاقت النظريات والدراست الموسيقية الإغريقية ذاتها.
وقد ترجمت بحوث الفارابي إلى اللغة اللاتينية وأصبحت مراجع قيمة للباحثين والدارسين الأوروبيين فيما بعد.
ومن الدلائل الواضحة على تأثر أوروبا بالحضارة العربية إن طائف التروبادور في فرنسا اتصلت اتصالا وثيقا بالثقافات الشرقية، خصوصا أثناء الحرب الصليبية. لذا يظهر في التروبادوبري الطابع العربي والشرقي بصورة واضحة، وبصفة خاصة طابع الغناء الأندلسي. وكذلك أتحيت فرصة للمنشدين المتجولين التابعين للبلاد العربية في أن يتجولوا في أوروبا عارضين غناءهم التقليدي الذي صادف هوى في نفوس كثير من الشعوب الأوروبية. ومن المعتقد أن الغناء الأوروبي خلال القرن الثالث عشر كان ذا نكهة شرقية واضحة، وبعض الإيقاعات التي كانت تستخدم في أوروبا في ذلك الوقت انحدرت إلى هذا البلاد من أصل مغربي وثبتت نسبتها إلى أصول عربية.
تلت هذه المرحلة، أي بعد سقوط حضارة العرب في الأندلس استيلاء الأتراك على القسطنطينية، وكانوا قد استولوا عليها بحوالي أربعين سنة. ولم يظهر الأتراك العثمانيون الذين استولوا على القسطنطينية في التاريخ قبل القرن الثالث عشر حين بدأوا كقوة صاعدة منذ إنشاء الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف. وقد استولى هؤلاء على سوريا ومصر عام 1517 م وفي عام 1529 م تقدموا شمالا حتى أبواب فيينا. وقد اعتنق العثمانيون دين الإسلام...
وكانوا يحبون الموسيقى حبا كبيرا حتى إنهم شجعوا ممارستها والاستماع إليها، وقد كان الخلفاء العثمانيون يحتفظون في قصورهم بعدد من الموسيقيين والمغنين الممتازين. لذا ازدهرت موسيقاهم إلى درجة أنها أثرت في موسيقى الشرق الأدنى وشبه جزيرة البلقان. وكانت النظريات الموسيقية المطبقة هي النظريات نفسها التي كانت مستخدمة في البلاد العربية وفارس، مع ازدياد الأثر الإغريقي والبيزنطي. وقد ترجم كثير من الأعمال والنظريات الموسيقية العربية إلى اللغة التركية التي اتخذها هؤلاء المغنين لغة لهم.
الموسيقى في عصر الخلفاء الراشدين
الموسيقى في عصر الخلفاء الراشدين
(632-661 م)
توفي النبي عليه الصلاة والسلام عام 632 م، فانتخب المؤمنون أبا بكر خليفة له وحيوه بذلك اللقب. وكذلك انتخب الناخبون من المسلمين ثلاثة خلفاء آخرين هم: عمر وعثمان وعلي، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى جوار ربه حتى فرقت المعارك بلاد العرب وظهر الأنبياء الكاذبون من كل ناحية وثارت القبائل من عمان إلى أبواب المدينة نفسها على الخليفة وأعلنت الردة على الإسلام.
ولكن ما لبث الخليفة أن أخضع الجمهور الهائج الثائر وبسط سيطرته عليه في مدة لا تزيد على السنة الواحدة. لكنه أرسل الجيوش وأثار روح الحرب ضد الكفار عامة في سبيل الوصول إلى هذه الثمرة. وهكذا غزوا بابل والجزيرة العراقية وسوريا ومصر، وفتحوا تلك البلاد ما بين 633 و643 م، مما سيكون له أثر ثقافي كبير في الحضارة الإسلامية فيما بعد. وكانت أيام الخلفاء الراشدين الأربعة أيام الإسلام الحق، وكانوا يطبقون القانون تطبيقا حرفيا، كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام أو كما يفسره الصحابة. وحرمت الموسيقى، فيقول ابن خلدون أعظم المؤرخين المسلمين بأن المسلمين احتكروا كل شيء ولا يوافق تعاليم الإسلام وحرموا الغناء في الأيام الأولى من الإسلام.
ولعل الخليفتين الأولين لم يحبا الموسيقى ولا عنيا بها، فلقد شغلتهما الحرب في سبيل تثبيت الإسلام لدرجة منعتهما من التمتع بالفنون، وعاشا أبسط عيشة بل انتظرا من غيرهما أن يحيا مثلهما.
وعلى الرغم من تشدد أبي بكر، يظهر أنه وجدت فئة قليلة انهمكت في الملاهي. فالطبيعة لا يمكن أن تحبس بل غالبا ما يحدث رد الفعل مفاجئا. والإنسانية في تحطيمها القيود كثيرا ما تتخطى حدود الأديان. فحاول الشباب المرح الذي أترع كأسه من ملذات الحريم، حين ابتعد إلى الخارج، أن يتجنب قيود القعيدة المتشددة وجرى وراء اللذة التي يبحث عنها أمثاله من الشباب وأصحاب اللهو في الخمر وفي الموسيقى وفي الإنفاق المسرف، لكن كانت تنتظرهم أيام ذات حرية أكبر وأشمل.
ويبدو أن عمر لم يختلف عن سلفه في هذا المضمار وإن كنا نجد حديثا عن عائشة يروي أن عمر سمع إحدى القيان في بيت النبي عليه الصلاة والسلام نفسه.
وتروى في العقد الفريد عدة أخبار عن عمر وموقفه من الموسيقى. قال عمر في أحد هذه الأخبار بعد أن سأل رجلا أن يغني: "غفر الله لك"، ويوضح لنا هذا القول الحضر المضروب على الموسيقى.
وتلاه الخليفة عثمان، فتغيرت في عهد حياة العرب الإجتماعية والسياسية تغييرا كبيرا، إذ كان عثمان شغوفا بالثروة والمظاهر بخلاف سلفه. واستطاع العرب بفضل الثروات الواسعة والرقيق الذي تدفق على الحجاز من الأقطار المفتوحة أن يقيموا الروائع الشبيهة بما كانوا يرونه في البلاد العربية الأخرى وفي فارس والإمبراطورية البيزنطية اللتين سقطتا تحت سيوفهم. فأصبحت القصور الشامخة والحشم الكثير من الرقيق والمواكب المترفة والمعيشة المرفهة، من الأمور المألوفة، لا في العراق وسوريا فحسب اللتين كانتا تعرفان هذه الأمور من قبل، بل في مدن الحجاز المقدسة أيضا. وشغفوا بالموسيقى والموسيقيين في جميع قصور الأشراف والأثرياء ودورهم بالرغم من حظر النبي عليه السلام وتذمر المسلمين من المتشددين.
أما علي فكان شاعرا، وكان أول خليفة أضفى حمايته المطلقة الحقيقية على الفنون الجميلة والآداب بشجاعة، وذلك بدراسة العلوم والشعر والموسيقى. ومنذ ذلك اليوم ضمنت الموسيقى مستقبلها. وعندما انتقلت الخلافة من أيدي الراشدين إلى بني أمية نشأ الفن وثبت في بلاط النبي عليه الصلاة والسلام أنفسهم.
وأول موسيقي ظهر في الإسلام هو طويس (الطاووس الصغير) واسمه الكامل أبو عبد المنعم عيسى بن عبد الله الذائب، وكان مولى لبني مخزوم وينسب إلى المدينة، إذ نشأ في دار أروى أم الخليفة عثمان. وبينما هو في حداثته استرعت انتباهه ألحان الرقيق الفرس الذين كانوا يعملون في المدينة فقلد أسلوبهم. ويقول ابن بدرون إن طويسا اشتهر في الأعوام الأخيرة من عهد الخليفة عثمان.
أما بالنسبة للآلات الموسيقية والمصطلحات المختلفة في ذلك العصر، فإننا نجد بين الآلات الوترية المعزفة والمزهرة. وكانت المعزفة شائعة في اليمن خاصة، وربما شاعت في الحجاز أيضا. وكان المزهر عودا جلدي الصدر، وقد نال إعجاب العرب وإن احتل بعض مكانته العود ذو الصدر الخشبي الذي أتى من الحيرة حوالي نهاية القرن السابق. ويظهر أن الطنبور كان محبوبا كثيرا في العراق حيث نال الجنك الإعجاب أيضا.
ومن الآلات الهوائية كان الناي العمودي معروفا باسم القصّابة أو القصبة، والناي الطويل معروفا باسم المزمار وهو الاسم الذي كان يطلق على الآلات الهوائية الخشبية عامة، وكان النفير يسمى البوق، ولكنه لم يستخدم في الحرب حتى ذلك الوقت.
والآلة الأولى بين آلات القرع هي القضيب الذي كان بحبوبا وشائعا عند أصحاب الغناء المرتجل، وكذلك كان الدف المربع آلة محبوبة لملاحظة الإيقاع أو الوزن، وكانت الضنوج الصغيرة من آلات الرقص، وأخيرا كان لفظ الطبل يطلق على جميع عائلة الطبول.
الموسيقى في العصر العباسي
الموسيقى في العصر العباسي
750-1258 م
حين قام بنو عباس على أنقاض بني أمية، بزغ عصر جديد للعرب ووضعت أسس الحياة الفكرية العظيمة في القرون التالية وانتقل مركز النشاط الموسيقي من دمشق إلى بغداد. ودخلت الموسيقى مع سائر الفنون والآداب في عصرها الذهبي خصوصا في عهد هارون الرشيد الذي أصبح اسمه يقترن، في الفكر العربي والعالمي دون استثناء، بالأمجاد العربية في الفنون والآداب والتي صورت أحيانا كالأسطير، وقد ورد ذكر هارون الرشيد مئات المرات في قصص ألف ليلة وليلة التي كانت كلها حافلة بأعظم ما يصوره الإنسان من عظمة الرقص والغناء.
ولا بد أن مجموعة المواهب الموسيقية التي اجتمعت في بلاطه لقيت الميلايين من الأموال المنفقة عليها.
ومن أهم الذي استفادوا: إبراهيم الموصلي، ابن جامع، زلزل، إسحاق الموصلي وغيرهم. وكان ابن هارون الرشيد المفضل يسمى أبا عيسى، موسيقيا مجيدا ونجده يشترك في الحفلات الموسيقية في البلاط مع أخيه أحمد.
كذلك كان شغف معظم الخلفاء العباسيين عميقا بالفن والموسيقى، فقد كان الواثق أول خليفة يعتبر موسيقيا حقيقيا. ويشهد حماد بن إسحق الموصلي بأنه أعلم الخلفاء بهذا الفن، وأنه كان مغنيا بارعا وعازفا ماهرا على العود. وقد لقي الفن من التشجيع والكرم في بلاطه ما يجعل المرء يظن أنه تحول إلى معهد للموسيقى على رأسه إسحق الموصلي، بدلا من كونه مجلسا لأمير المؤمنين. وكان هارون ابن الخليفة موسيقيا موهوبا وعازفا لامعا.
لقد رغب العباسيون في التفوق على الساسانيين القدماء فبزخوا في سبيل العلم والفن. فأسست في عهدهم المكتبات وبنيت المعاهد والمستشفيات والمعامل "وتعاصر هذه الروعة في المعارف الأدبية شارلمان، أي حين كانت أوروبا غارقة في همجية يلطفها الإصلاح الذي بداه شارلمان تلطيفا غير كاف.
ومن الطبيعي أن يتقدم فن الموسيقى في هذه الظروف الملائمة. فظهر في العهد أشهر المغنين الإسلام أمثال إسحق الموصلي وإبراهيم الموصلي وزلزل ويحيى المكي، كما ظهر أيضا أعلام عرب هم طليعة الفكر الموسيقي والإنساني ليس في العالم العربي فحسب وإنما في العالم أجمع. ولعل كتابات الكندي في الموسيقى هي أول بحوث جادة في هذا الفن في تاريخنا العربي. ويكمن اهتمام الكندي في اهتمامه بالتراث الإنساني من خلال دراساته وبحوثه وآراءه في الموسيقى والفلسفة والطب وعلوم الرياضيات والفلك علاوة على آراء أخرى هامة في العقائد السياسية والإجتماعية. والجدير بالذكر أن الكندي في "رسالة في خبر تأليف الألحان" استعمل الرموز والأحرف الأبجدية للتدوين، فكان أول تدوين موسيقي عزفه العرب.
ويتضح أن الموسيقى العربية في العصر العباسي بلغت ذروة مجدها من ناحيتي الأداء الغنائي وانتشار العلوم والبحوث والدراسات الموسيقية. واستمرت بغداد حتى منتصف القرن التاسع الميلادي مركزا حيويا تنبعث منه إشعاعات النهضة الموسيقية العربية. وكان الغناء هو مظهر النشاط الوحيد في الموسيقى العربية، وفي أوائل القرن العاشر الميلادي بدأت الموسيقى العربية تتأثر بأذواق دخيلة بعضها من الفرس والبعض الآخر من المغول والأتراك وغيرهم من الشعوب التي اتصلت عن طريق الحرب أو التجارة بالشعوب العربية.. وكانت نتيجة هذا الاتصال ظهور سمة غريبة في الموسيقى العربية لم تكن مألوفة من قبل، وهي الاهتمام البالغ بالموسيقى الآلية وتفضيلها غالبا على الغناء العربي التقليدي. وكان القالب الموسيقي المعروف في ذلك الوقت هو نوع من المتتبعات الغنائية تسمى النوبة، وهي عبارة عن متتاليات تتكون من عدة أجزاء يسبق كل جزء منها افتتحاية موسيقية خاصة. وقد أتاحت هذه الطريقة لعازفي الآلات فرصة الأداء الآلي المتتابع. وتمت بعد ذلك مرحلة هامة هي بدء تقديم هذه المتتبعات بأداء موسيقي مرتجل تمخضت عنه التقاسيم الموسيقية التي ترتجل على الآلات العربية والتي لا تزال حتى اليوم مصاحبة الموال. ورغم انتشار العود في ذلك الوقت إلا أن بعض الآلات الموسيقية الأخرى أخذت تستخدم بكثرة، وأهمها القانون الذي استخدم في سوريا كثيرا منذ القرن العاشر الميلادي. وخلال هذا القرن استخدمت أول آلة موسيقية ذات القوس وهي الرباب. وكان القوس حيئذ يشبه القوس المستخدم في الحروب كما ذكره الفارابي في حروبه.
وقد استطاع العرب منذ القرن التاسع الميلادي أن يترجموا معظم البحوث التي كتبت عن الموسيقى الإغريقية إلى اللغة العربية. وكان أهم هذه البحوث ما تعلق بالسلم الموسيقي اليوناني والنظريات الموسيقية بصفة عامة. وقد اقتبس العرب كثيرا من النظريات الموسيقية اليونانية حتى إن طريقة العزف على العود تغيرت بناء على ما أحدثه هذا الإقتباس من تغيير جذري في الأداء.
كما استطاع العرب في سنوات قلائل أن يتفوقوا على الإغريق أنفسهم بعد أن أضافوا من عبقريتهم قواعد جديدة وأساليب جديدة في العزف والتلحين والأداء، وقد اعترف الإغريق بذلك اعترافا صحيحا لا لبس فيه. وبعد ذلك أخذت الموسيقى العربية كمادة تعليمية في المدارس والجامعات. وتعترف الدوائر الموسيقية الغربية أن العرب استطاعوا بين القرن التاسع والثالث عشر الميلادي أن يضعوا حوالي مائتي مصنف متفرع في سائر الفنون والعلوم الموسيقية، كما اعترفوا أن أربعة من هذه المصنفات ذات أهمية بالغة حتى إنها أثرت على الموسيقى الغربية وهي:
v رسالة في خبر تأليف الألحان للكندي: ويوجد هذا المخطوط الآن في المتحف البريطاني. وهو يشتمل على أول بحوث في نظرية الموسيقى العربية، وفيه طريقى خاصة للتدوين الموسيقي.
v كتاب الموسيقى الكبير للفارابي: وهو أعظم الكتب الموسيقية التي كتبت على الإطلاق.
v الجزء الخاص في كتاب الشفاء للرئيس ابن سينا وفيه جزء هام للغاية عن النظرية الموسيقية العربية.
v كتاب الأدوار لصفي الدين آخر الخفاء: ويعترف كروسلي هولاند أن كل من كتب في النظريات الموسيقية بعد صفي الدين اعتمد اعتمادا كبيرا على كتاب الأدوار وجعله أساسا لبحوثه ودراساته.
ويتضح من كل ما تقدم أن الموسيقى العربية بلغت شأنا عظيما عندما امتدت الإمبراطورية الإسلامية من الخليج إلى المحيط، ثم امتدت شمالا إلى أواسط أوروبا وجنوبا إلى الهند..
ولا شك أنها أثرت تأثيرا مباشرا أو ملموسا على موسيقى هذه الرقعة الشاسعة من العالم. حتى إن النهضة الموسيقية التي الغربية ظهرت منذ القرن السادس عشر في أوروبا بدأت خطواتها الأولى باعتمادها تماما على ما وصل إليه العرب من تقدم في المجالين النظري والعملي في موسيقاهم
ماذا تعني الموسيقى ؟! ومن هو واضعها
ماذا تعني الموسيقى ؟! ومن هو واضعها
هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع على كل صوت منها توقيعاً عند قطعه فيكون نغمة، ثم تؤلف تلك النغمة بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب. وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات، وذلك أنه تبين في علم الموسيقى أن الأصوات تتناسب فيكون صوت نصف صوت وربع آخر وخمس آخر وجزء من أحد عشر من آخر. واختلاف في هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب ، وليس كل تركيب منها ملذوذاً عند السماع بل تراكيب خاصة هي التي حصرها أهل علم الموسيقى وتكلموا عليها.
ويعني علم النغم ما موضوعه الصوت من حيث تركيبه مستلذاً مناسباً ونسب الإيقاع على الآلات المخصوصة مثل الأرغر، يعني ذات الشعب .
وهذا العلم خمسة أصناف :
v الأول : معرفة النقرات وكيفية تآلف الأصوات منها، وهي كالأسباب والأوتاد في علم العروض .
v الثاني : علم الإيقاع، وهو تنـزيل الأصوات والنغمات على الآلات وطرق الضرب .
v الثالث : علم النسبة، وهو معرفة أن البم مثلاً إذا كان ستين طاقاً يكون المثنى ثمانية وأربعين وأن السدس للثلث في الشد الأعظم على دستام الوسطى والسبابة وأن الرست مثلاً ينفع من الماليخوليا الكائنة عن البلغم إلى غير ذلك .
v الرابع : علم تفكيك الدائرة وبيان ما بين المقلمات من النسب، مثل الركبى والرمل .
v الخامس : علم التلحين، وهو رد الموشحات والأشعار الرقيقة إلى نغمة مخصوصة بطريق مخصوص والقاعدة فيه راجعة إلى العروض في الحقيقة .
من هو واضع هذا الفن العظيم ؟ !
اتفق الجمهور على أن واضع هذا الفن أولاً هو فيثاغورس من تلامذة سليمان عليه السلام وكان قد رأى في المنام ثلاثة أيام متوالية أن شخصاً يقول له قم واذهب إلى ساحل البحر الفلاني ، وحصّل هناك علماً غريباً. فذهب من غد كل ليلة من الليالي إليه فلم ير أحداً فيه، وعلم أنها رؤيا ليست مما يؤخذ جداً فانعكس، وكان هناك جمع من الحدادين يضربون المطارق على التناسب فتأمل ثم رجع وقصد أنواع مناسبات بين الأصوات، ولما حصل له ما قصده بتفكر كثير وفيض إلهامي ، صنع آلة وشد عليها إبرسيماً وأنشد شعراً في التوحيد وترغيب الخلق في أمور الآخرة فأعرض بذلك كثير من الخلائق عن الدنيا، وصارت تلك الآلة معززة بين الحكماء .
وبعد مدة قليلة صار حكيماً محققاً بالغاً في الرياضة بصفاء جوهره، واصلاً إلى مأوى الأرواح وسعة السموات .
وكان يقول : (إني أسمع نغمات شهية وألحان بهية من الحركات الفلكية وتمكنت تلك النغمات في خيالي وضميري). فوضع قواعد هذا العلم، وأضاف بعده الحكماء مخترعا تهم إلى ما وضعه إلى أن انتهت النوبة إلى أرسطاطاليس، فتفكر أرسطو فوضع الارغنون وهو آلة لليونانيين تعمل من ثلاثة زقاق كبار من جلود الجواميس يضم بعضها إلى بعض، ويركب على رأس الزق الأوسط زق كبير آخر، ثم يركب على هذه الزقاق أنابيب لها ثقب على نسب معلومة تخرج منها أصوات طيبة مطربة على حسب استعمال المستعمل .
وكان غرضهم من استخراج قواعد هذا الفن تأنيس الأرواح والنفوس الناطقة إلى عالم القدس ، لا مجرد اللهو والطرب، فإن النفس قد يظهر فيها باستماع واسطة حُسن التأليف وتناسب النغمات بسط، فتذكر مصاحبة النفوس العالية ومجاورة العالم العلوي، وتسمع هذا النداء وهو: (ارجعي أيتها النفس الغريقة في الأجسام المدلهمة في فجور الطبع إلى العقول الروحانية والذخائر النورانية والأماكن الفلسية في مقعد صدق عند مليك مقتدر) .
إحتياجات الشخصيات للموسيقى بحسب طبائعها …
إحتياجات الشخصيات للموسيقى بحسب طبائعها …
إن الشخصيات العصابية بحاجة أكثر للموسيقى من الشخصيات النفاسية، فالشخص العصابي قلق وكئيب ومضطرب وموسوس، ولذلك فهو بحاجة إلى الموسيقى كوسيلة لتخفيف قلقه والتخلص من خوفه ومسح حزنه عن طريق الدخول إلى عالم البكاء .
أما الشخصيات النفاسية فهي تحتاج في بعض الأحيان إلى الموسيقى الهادئة جداً والكلاسيكية، لكي تستطيع التعايش مع الموسيقى الداخلية النابعة من الحوار الذاتي والتفكير الإنطوائي .
والمريض الكئيب الإرتكاسي يفضل دوماً الموسيقى الحزينة للتخلص من العذاب الروحي عبر التفكير بالانتحار .
والكلام عن المريض لايمنعنا من التفكير بالإنسان السوي، فعلم النفس يقول بصراحة : إن الإنسان اليوم وأكثر من الأمس القريب بحاجة إلى الموسيقى على أن تكون مدروسة، تمر من قنوات رقابية اختصاصية لكي لاتحول الموسيقى الإنسان المعاصر إلى وحش مفترس بلباس الحضارة الاستهلاكية المصطنعة .
فعن طريق الموسيقى يشعر الإنسان بوجوده، حيث يمكن اعتبار الموسيقى طريقاً إلى الحوار مع الذات وإعطاء قيمه من خلال " الأنا " إلى " الأنا الأعلى "، ومن ثم إلى عالم العقل الباطن "اللاوعي "، "الهوى" .
فالكلام يمكن تسجيله في الذاكرة، بينما الموسيقى تخترق حاجز الذاكرة الفردية لتصل إلى مناطق تسجيله في الذاكرة الجماعية .
إن الإنسان البدائي ما زال موجوداً في العقل الباطن، وفي اللاوعي الجماعي، وما زال يعيش بوحشيته، هذه الوحشية ما زالت قابعة في داخلنا، ويمكن عن طريق الموسيقى التخفيف منها وتحويلها إلى طاقة إبداعية مفيدة .
ولا ننسى أن للموسيقى أيضاً تأثيراً مغايراً، فيمكن أن تقلق الإنسان وتنقله إلى عالم الاضطرابات السلوكية، ويمكن أن تشعل فيه قنديل النشوة والكآبة الإبداعية ويتحول نور القنديل إلى إنتاج إبداعي يحرك فينا كل المشاعر الإنسانية.
إن المدارس النفسية تتحدث اليوم عن توظيف الموسيقى في عملية تثقيف السيكوباتي، وذلك لتخفيف العدوانية الداخلية وتحويلها إلى طاقة خلاقة في مجالات مختلفة، مثل: الرياضة والسباحة وتسلق الجبال والدخول في حياة المغامرات الهادفة لخير البشرية.
كما أن للموسيقى عاملاً من عوامل تخلخل الخجل والانطواء وتخفيف الانفعالات والرفع من قدرة الإنسان الواهن وزيادة طاقته.
الموسيقى والطب العربي الإسلامي
الموسيقى والطب العربي الإسلامي
لايملك الباحث عن الطب العربي الإسلامي إلا أن يقف معجباً، فخوراً حيال تطوره على مر العصور، ونظرته المدركة، الشاملة إلى صحة الإنسان البدنية والنفسية معاً.
فقد بلغ من نفاذ هذا الإدراك العبقري أنه ألم بشؤون الكائن البشري جميعاً، ماجل منها ومادق، أو ماظهر وما استتر، وتجاوز ذات الكائن إلى مايحيط به من طبيعة وبشر.
وما أبلغ قول أبو بكر الرازي (ذلك العبقري اللألمعي) وأوعى دلالته: {ينبغي للطبيب أن لايدع مساءلة المريض عن كل مايمكن أن تتولد عنه علته من داخل وخارج، ثم يقضي بالأقوى}.
ومن هنا تفتق نبوغ الأطباء العرب والمسلمين عن طرائق وأساليب بدع في العلاج ، مثلما تأتى لهم أن يفعلوا في مضمار الطب العقلي والنفسي، والطب النفسي والجسدي (النفسجي Psychosomatic Medicine ).
من ذلك استخدامهم السماع (الموسيقى والغناء) في تطبيب المصابين بضروب من الخبل أو العته. وهو موضوع جد شائك من حيث قلة الأصول والمراجع.
التفسير العلمي للعلاج بالموسيقى
التفسير العلمي للعلاج بالموسيقى
لقد أحرز العلاج بالموسيقى نجاحاً باهراً، لم يكن في الإمكان تحقيقه بإستعمال الأدوية الأخرى، التي تستعمل في مثل هذه الحالات.
وكانت أولى النتائج التي حققتها التجارب التي أجراها الباحثون على الإنسان لاكتشاف فعالية الموسيقى وأثرها في تنشيط إفراز مجموعة من المواد الطبيعية، التي تتشابه في تركيببها مع المورفين، وهي ما تسمى بالاندورفينات.
ويعتقد هؤلاء الباحثون وهم أشهر العلماء في الولايات المتحدة، أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق وتعميم هذا الاكتشاف الخطير، الذي سيحدث تغييراً جذرياً في الآراء المعروفة عن "كيمياء الألم" بفضل الاندورفينات التي هي أحد أنواع البيتبيد Peptid، أي الهرمونات التي تفرزها الغدة النخامية، وأبرز مراكز تجمعها في اللوزتين، وفي الجهاز اللمفاوي، حيث يحتويان على مجموعة كبيرة من الخلايا التي تفرز الاندورفينات.
ولم يعد شك في أن الألم والمتعة والانفعال، وكثيراً من الأمراض لها اتصال بعمل الأندورفينات، التي اكتشفت عام 1972، والتي اتضح أن الموسيقى تساعد مساعدة جبارة على زيادة إفرازها، وبالتالي على علاج الجسم وشفائه من الأمراض.
وبصفة عامة فإن التجارب أثبتت حتى الآن أن زيادة تلك المواد لاتمثل أية خطورة على المريض، فضلاً عما لتلك الأندورفينات من ميزة يجب أن تؤخذ في الاعتبار، وهي أنها وبمقارنة مع الأدوية الأخرى، عبارة عن مادة طبيعية يفرزها الجسم، ومن المأمول ألا تكون لها أية آثار جانبية، كما هو الحال بالنسبة للأدوية الأخرى التي يتعاطاها المريض.
إذاً فالعلاج بالموسيقى علاج يسير، رخيص، سهل، ليس له أي مضاعفات على الإطلاق يمارس في كل زمان وكل مكان، سواء كانت الشمس ساطعة مشرقة أم المطر ساقطاً، صيفاً أو شتاءً، يستخدمون أدوات وآلات موسيقية في الهواء الطلق، وعلى اختلاف أنواعها.
ومنذ أن بدأ هذا العلاج الجديد والذي سيشعل في سنوات قادمة ثورة عارمة في عالم الطب. اتضح أن الذين استخدموا هذا الأسلوب أصبحوا الآن يشعرون بأنهم في وضع صحي وحياة أفضل، لايكادون يستخدمون أي دواء وكثيراً منهم أقلع عن مادة التدخين، كل ذلك بفضل الموسيقى.
إن الموسيقى بعموميتها تبدأ حيث تنتهي الكلمة، إنها عنصر جوهري في البناء الروحي للإنسان، توقظ فيه الشعور بالمعاني الكبيرة. المعاني السامية، كالحق، والخير، والجمال. وتحرك وجدانه وترهف شعوره وتساعد على تحقيق الوئام مع نفسه، والتوافق مع الحياة من حوله، وبالتالي فالموسيقى أقدر الفنون على خدمة الإنسان، كما أنها قادرة على خدمة قضايا السلام والديمقراطية والتقدم.
إن شوستا كوفيتش عندما يطرح مقولته الخالدة:
(يجب أن يتساءل المؤلف الموسيقى دائماً… كيف أخدم بفني قضايا البشرية والسلام والتقدم؟). يضيء الريق أمام كل مؤلف موسيقى، حتى لا ينحرف أو يتعثر، لأن المؤلف الموسيقي فنان يسخر أدواته الموسيقية وصنعته الفنية للتعبير عن نفسه ومجتمعه، على أن يكون هذا التعبير تعبيراً غير مباشر.. وكلما كان التعبير غير مباشر كان أقدر على البقاء.
الموسيقى وما أثبتته الإختبارات حديثاً
الموسيقى وما أثبتته الإختبارات حديثاً
يقول الفيلسوف الألماني نيتشه (1844 – 1900 م)
لولا الموسيقى لكانت الحياة ضرباً من الخطأ"…
لذلك احتلت الموسيقى في عصرنا الراهن موقعاً فعالاً ومؤثراً في العلاج، لدرجة أن بعض الدول أنشئت فيها جمعيات متخصصة لهذا الغرض، مثل الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى التي تأسست منذ عام 1950 في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوطن العربي بدأت تجربة لإدخال المعالجة بالموسيقى في المعهد الوطني لحماية الطفولة بتونس.
بعد أن ثبت بما لايدع مجالاً للشك مدى تأثير الموسيقى في كثير من الميادين، أنها تلهب حماسة المقاتلين في الحروب وتزيد الناس ابتهاجاً في الأعياد والمناسبات، علاوة على أنها تشفي العديد من الأمراض النفسية، وتساعد على إجراء بعض العمليات الجراحية عوضاً عن استعمال المخدر، وخاصة في ميدان طب الأسنان.
وعلماء عصرنا يؤكدون ما قاله الأقدمون عن تأثير الإنسان والحيوان، وحتى بعض النباتات بالموسيقى، فالتجارب التي أجريت في بعض البلدان الأوربية أثبتت بأن الأبقار إذا ما استمعت إلى أنماط معينة من الموسيقى أثناء حلبها، فإنها تدر الحليب بنسبة أكبر، وتصير هادئة الطبع، وإن أنواعاً من النباتات إذا مانقلت إلى مكان يشتد فيه الصخب والضجيج فإن نموها يتوقف وربما تذبل وتموت.
وفيما يخص بتأثير الموسيقى على حياة الزوجين، فقد أكد أحد الأخصائيين في العلاج النفسي أن الأزواج يجب عليهم الراحة ثلاثة أيام أسبوعياً من مشاهدة برامج التلفزيون بكل أنواعها ونصح بالاستماع إلى الموسيقى الهادئة ولو ساعة في اليوم.
أما الطبيب النمساوي البروفيسور (برامز) فقد توصل إلى طريقة حديثة لإنقاص الوزن بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية لمدة ثلاث ساعات يومياً، للعلاج بشكل ملحوظ ونقص وزنهن إلى الحد المطلوب.
كما أن هناك عادة قديمة – حديثة – تمارسها الأمهات، وهي تهليل الأم لطفلها باللحن العذب والصوت الرقيق لكي تحمله على الهدوء والنوم.
والدراسات الأخيرة التي أجريت لتحديد علاقة الإنسان بالمتعة الموسيقية تثبت أن أساس المتعة الموسيقية هو مراكز المخ، حيث وصلت الدراسات إلى عدة ملاحظات منها:
1 – سلوك المستمع وتفاعله يحددان مدى تمتعه بالموسيقى، فالإنسان المهيأ لسماع الموسيقى يتأثر بها أكثر من الإنسان المشغول عنها.
2 – تأثير الموسيقى على أجهزة الجسم يعتمد إلى حد كبير على طبيعة الموسيقى، فبعض ألوان الموسيقى مثلاً يؤثر على الجهاز الدوري (القلب والأوعية) للإنسان، كما أن بعض ألوان الموسيقى الأخرى يؤثر على الجهاز العصبي ، لهذا يختلف الناس فيما بينهم بتأثرهم وتمتهم بالموسيقى.
3 – وعلى النقيض ، فإن ذات الموسيقى أو نفس النغمة قد تؤثر على الجهاز الهضمي لشخص ما، بينما هي تؤثر على الجهاز الدوري لشخص آخر، أو قد تؤثر على المخ والجهاز العصبي لشخص ثالث.
وقد أمكن قياس هذه التأثيرات والتغيرات الفيزيولوجية بأجهزة الطب الحديثة، مثل رسام القلب، ورسام المخ ، ورسام التنفس، وجهاز ضغط الدم، أو تقدير مستوى احتراق السكر في الدم.
إذاً ما أشار إليه ابن سينا وتلميذه الحسن بن زيلة وصفي الدين عبد المؤمن وابن عبد ربه… الخ. بشكل عام، تؤكد الدراسات والتجارب الطبية الحديثة تفصيلياً بالدليل العلمي.
كما ثبت أن هناك توافقاً بين الأحوال النفسية والأمراض الجسدية، وأي اختلاف في أحدهما، تنعكس صورته على الأخرى، لهذا صار من المألوف أن نسمع مثلاً عن قرحة المعدة، وارتفاع ضغط الدم، ونوبات القلب، ومرضى البول السكري أنها ترتكز على جذور نفسية وعصبية بنسبة كبيرة، ينبغي مراعاتها عند العلاج.
الموسيقى والمعالجة الطبيِّة
الموسيقى والمعالجة الطبيِّة
الرئيس إبن سينا الذي نصح بالغناء والموسيقى (وقد كان القدامى يسمون هذا السماع) على المصابين بآفات عقلية أو نفسية. وإنما يوصي بهما أيضاً في تسكين الأوجاع. إذ هما يساعدان على النوم: "من مسكنات الأوجاع المشي الدقيق، الطويل الزمان لما فيه من الإرخاء… والغناء الطيب خصوصاً إذا نوم به، والتشاغل بما يفرح، مسكن قوي للوجع" .
كما يدرج الموسيقى والغناء في عداد الأدوية التي يعالج بها الحميات. يقول مثلاً، في باب "حميات اليوم (أي العرضية)، في علاج الحمى الغضبة: "المعالجات هو تسكينهم (المصابين بها) وشغلهم بالمفرجات من الحكايات والسماع الطيب، واللعب، والمناظر العجيبة…"
وجدير بنا أن نستذكر أن الرازي مصنفاً في الموسيقى ذكره إبن أبي أصيبعة: (كتاب في جمل الموسيقى). ولإبن سينا أيضاً غير تأليف في الموسيقى.
ولم يغب عنه هذا الحس وهو يرى أن في النبض طبيعة موسيقية، وأنه ذو نسبة إيقاعية في السرعة والتواتر.
فهو الذي حدد لكل وقت من أوقات الليل والنهار نغمته الخاصة به.
ويورد "فارمز" أن مما بلغ الحضارة الأوربية، ترجمة، قدرة الموسيقى على الشفاء وهو ما أتثبته إبن سينا بمقالته التي كادت تذهب مثلا في اللغة اللاتينية .
“ Inter Omni excercitia Sanitatis cantare Melius est “
أي : خير تمارين العافية الغناء. وهذا قريب من قول (إخوان الصفا) : "أمزجة الأبدان كثيرة الفنون، وطباع الحيوانات كثيرة الأنواع، ولكل مزاج، ولكل طبيعة، نغمة تشاكلها، ولحن يلائمها".
وقبل هؤلاء جميعاً، قسم " الكندي" الألحان أقساماً في كتاب (المصوتات الوترية من ذات الوتر الواحد إلى ذات العشرة الأوتار) "المقالة الثانية": (في تأليف اللحون). وقال: إن منها مايكون للطرب، أو إثارة الحماسة، أو يكون " للبكاء والحزن والنوح والرقاد ويسمى الشجوي".
ويتناول النغمات والأوتار والإيقاعات، فيورد تأثيرها على أعضاء الجسم:
فحركات الزير، مثلاً، تورث "أفعال النفس: الفرحية، والعزية، الغلبية، "وقساوة القلب والجرأة والإقدام والزهو والنخوة والتجبر والتكبر، وهو مناسب لطبع الماخوري. ويحصل من فعل هذا الوتر (وهذا) الإيقاع : أن يكونا مقويين للمرة الصفراء محركين لها، مع اجتماع الزمان الشتوي والنومي، وسن الموسيقا أي وطباعه، وإذا قوي هذا الطبع والمزاج أذاب البلغم وقطعه ورققه واسخنه. ومما يلزم المثنى من تلك الأفعال: السرورية والطربية والفرحية والجودية والكرمية، والتعطف والرأفة والرقة… ويحصل من قوة هذا الوتر وهذين الإيقاعين: أن يكونا مقويين للدم وطباعه ومحركاته ولطافته وسجياته، ويكسران عادية السوداء ويقمعانها ويمنعان أفعالها.
ومما يلزم المثلث من تلك الأفعال: الجنية والمراسي والحزن ومايشجي، وذكر الغابر، وأشباه التضرع… ويحصل من هذا الوتر وهذا الإيقاع: أن يكونا محركين للبلغم مطلقين له زائدين في اعتداله – إن كان معتدلاً - أو معدلين له مسكنين للصفراء مانعين لتسليطها، مطفيين لحدتها.
ومما يلزم ألم من تلك الأفعال: الفرحية تارة، السرورية تارة والتحبب والزهو… ويحصل من هذا الوتر وهذه الإيقاعات: أن تكون مقوية للسوداء زائدة في حركاتها مطفية للدم، ولها من الأغاني: النوح والشكوى وذكر حنين الإلف والطير والإبل، وبكاء الرسوم والآثار والدمن…
ومن طبع البم الحلم والزكانة والرصانة، ومن طباعه أيضاً السرور تارة، والحلم تارة، مع الأفكار الرديئة والكمد وانقطاع الطبع وانخذال النفس".
ثم يقول:
"وقد يلزم حركات النفس وانتقالها من حال إلى حال بخواص حركات الأوتار على حسب ماقدمناه من طبعها أو مناسباتها – مايكون ظاهراً للحس، منطبعاً في النفس. فمما يظهر بحركات الزير في أفعال النفس: الأفعال الفرحية والعزية والغلبية، وقساوة القلب والجرأة وما أشبهها، وهو مناسب لطبع الماخوري وماشاكله. ويحصل من قوة هذا الوتر وهذا الإيقاع: أن يكونا مقويين للمرار الأصفر محركين له، مسكنين للبلغم مطفيين له.
ومما يلزم المثنى من ذلك الأفعال السرورية والطربية والجودية والكرمية والتعطف والرقة ما أشبه ذلك… ويحصل من قوة هذا الوتر وهذين الإيقاعين أن تكون: مقوية للدم محركة له، مسكنة للسوداء مطفية لها.
ومما يلزم المثلث من ذلك: الأفعال الجنية والمراثي والحزن وأنواع البكاء وأشكال التضرع وما أشبه ذلك ، وهو مناسب للثقيل الممتد. ويحصل من هذا الوتر وهذا الإيقاع أن يكونا: مقويين للبلغم محركين له، مسكنين للصفراء مطفيين لها.
ومما يلزم البم من ذلك: الأفعال السرورية، تارة والترحية تارة، والحنين والمحبة وما أشبه ذلك. وهو مناسب للأفراح والأرمال والخفيف وماأشبه ذلك ويحصل من هذا الوتر وهذه الإيقاعات أن تكون : (مقوية للسوداء محركة لها، مسكنة للدم مطفية له…).
ويقول طاش كبري زاده (968 هـ/1561م) في (علم الموسيقى):
"… ولذلك يستعملون النغم تارة في الأفراح والحروب، وعلاج المرضى، وتارة في المآتم وبيوت العبادة".
فليس بغريب إذاً، أن ملكاً (الحافظ العبيدي) استنبط له طبيبه طبلاً، ذا نغمات خاصة تبرىء وتشفي.
وعند ابن جزلة(493 هـ/1100 م) في كتابه: (تقويم الأبدان) أن {....الموسيقى من الأدوات النافعة في حفظ الصحة وردها، وتختلف بحسب اختلاف طباع الأمم...}.
وقديماً وضعت هذه الصناعة لحث النفوس إلى السنن الصحيحة، ثم استعملها الأطباء في شفاء الأبدان المريضة. فموقع الألحان من النفوس موقع الأدوية في الأبدان المريضة.
وأفعاله في النفس ظاهرة من مشي الجمال عند الحداء، وشرب الخيل عند الصفير، ومرح الأطفال لسماع الغناء. وهو يحدث أريحية ولذة، ويعين على طول الصلاة والدراسة. والأطباء يستعملونه في تخفيف الآلام، على مثال مايستعمله الجمالون لتخفيف الأثقال.
ولايشذ إبن النفيس (687هـ/1288م) عن زملائه. ففي مخطوطة (كتاب الموجز في الطب)، يقول في الفصل الثالث: ... في الأمراض المختصة بعضو عضو (أي عضواً): العشق وهو يعتري العزاب والبطالين والرعاع… ويعرف معشوقه بوضع اليد على نبضه وذكر أسماء وصفات. فأيها اختلف عنده النبض، وتغير لون الوجه، يعرف أنه هو. والعلاج… من المسليات: الصيد والاشتغال بالعلوم العقلية والمحاكمات … واللعب، والسماعات المقصود بها اللعب كالتي بالخيال وأما التي يذكر فيها الهجر والنوى، فكثيراً مايهلك عشقاً.
ويجمع داود الإنطاكي (1008هـ/1600 م) في (تذكرته) تفاريق أقوال الأطباء في هذا المجال. يورد، مثلاً، في كلامه على الهمك .... ومما يعين على ذلك (سلو الهم…) النظر في الحساب والتصاوير والهندسة، وإن ضاق نطاق التفكير عن ذلك، فسماع الأصوات، والآلات الحسنة، إذ لاعلاج لمن استغرق غيرهما… فهذا تلخيص التقطناه من مفرق كرمهم إذ لم نظفر بمن جمع هذا الباب.
وكذلك أشار الأنطاكي إلى استخدام الموسيقى في علاج الجنون والحميات الحارة، وفي الاختلاج والارتعاش. ويعين هنا نغمةً خاصة على العود (المنشاري).
وهذا يذكر بما نسبوه إلى الكندي. فقد روى القفطي أنه كان في جوار هذا الطبيب الفيلسوف " رجل من كبار التجار، موسع عليه في تجارته. وكان له ابن قد كفاه أمر بيعه وشرائه، وضبط دخله وخرجه، وكان ذلك التاجر كثير الإزراء على الكندي، والطعن عليه، مدمناً لتفكيره والإغراء به. فعرض لابنه سكتة فجأة، فورد عليه من ذلك ماأذهله، فلم يدع بمدينة السلام طبيباً إلا ركب إليه واستركبه لينظر ابنه، ويشير عليه من أمره بعلاج. فلم يجبه كثير من الأطباء ؛ لكبر العلة وخطرها إلى الحضور معه.
ومن أجابه منهم فلم يجد عنده كبير غناء. فقيل له: أنت في جوار فيلسوف زمانه، وأعلم الناس بعلاج هذه العلة، فلو قصدته لوجدت عنده ماتحب. فدعته الضرورة إلى أن تحمل على الكندي بأحد إخوانه، فثقل عليه في الحضور، فأجاب، وصار إلى منـزل التاجر، فلما رأى ابنه وأخذ مجسه، أمر بأن يحضر إليه من تلاميذه في علم الموسيقى من قد أنعم الحذق بضرب العود وعرف الطرائق المحزنة، والمزعجة والمقوية للقلوب والنفوس، فحضر إليه أربعة نفر، فأمرهم أن يديموا الضرب عند رأسه، وأن يأخذوا في طريقة أوقفهم عليها، وأراهم مواقع النغم بها من أصابعهم على الرساتين ونقلها: فلم يزالون يضربون في تلك الطريقة، والكندي آخذ مجس الغلام، وهو في خلال ذلك يمتد نفسه، ويقوى نبضه، ويراجع إليه نفسه شيئاً بعد شيء، إلى أن تحرك، ثم جلس وتكلم، وأولئك يضربون في تلك الطريقة دائماً لايفترون فقال الكندي لأبيه:
سل إبنك عن علم ماتحتاج إلى علمه، مما لك وعليك وأثبته . فجعل الرجل يسأله، وهو يخبره، ويكتب شيئاً بعد شيء. فلما أتى جميع مايحتاج إليه غفل الضاربون عن تلك الطريقة التي كانوا يضربونها، وفتروا، فعاد الصبي إلى الحال الأولى، وغشيه السكات… ومهما يكن من شأن الصنعة في هذه القصة ، فالكندي قد أفاض القول، كما سقنا بالشواهد من أقواله، في أثر الموسيقى من الوجهة الطبية، وبين (أن الألحان تؤثر في الجسم فتساعد على الهضم. وتبعث في الكيموسات التلطيف والتنظيف).
ولابد أن نذكر في سياق كلامنا على ابتداع العرب طرائق في المعالجة النفسية والعقلية أنهم كانوا سباقين إلى المداواة بالوهم، وفي سير الأطباء التي حكاها ابن أبي أصيبعة مشاهدات وأنباء كثيرة من هذا القبيل.
فهو يورد، مثلاً، في سيرة أبي البركات هبة الله بن علي بن ملكا البلدي، أثر الوهم في شفاء بعض الأمراض؛ إذ يقول: (وهذا باب عظيم في المداواة . وقد جرى أمثال ذلك لجماعة من الأطباء المتقدمين في مداواتهم بالأمور الوهمية. وقد ذكرت وكثيراً من ذلك في غير هذا الباب).
أطباء الإسلام الذين جمعوا بين الطب والموسيقى
أطباء الإسلام الذين جمعوا بين الطب والموسيقى
وهم كثر، لاريب في أن الفيلسوف الكندي (حوالي 260هـ/873م)، أبرزهم وأعظمهم. ألف التصانيف الموسييقية الصرف مثل :
(كتاب المدخل إلى الموسيقى) و(رسالته في الإخبار عن صناعة الموسيقى)، وكتاب في (ترتيب النغم على طبائع الأشخاص العالية وتشابه التأليف) و(رسالة في اللحون والنغم) و كتاب (المصوتات الوترية من ذات الوتر الواحد إلى ذات العشرة الأوتار) و(مختصر الموسيقى في تأليف النغم وصنعة العود)، وغيرها.
وكذلك الفارابي العظيم (339هـ/950 م) الذي طغت شهرته بالفلسفة على علمه بالطب، أو بسفره الضخم، الجليل: (كتاب الموسيقى الكبير). الذي يقول {فارمر} عن مقدمته: إنها تضاهي في الواقع، أن لم تنبذ كل ماورد في المصادر اليونانية.
ومن هؤلاء الأطباء الذين يعنوننا، في هذا المقام، مهذب الدين أبو الحسن علي بن أبي عبد الله عيسى بن هبة الله النقاش (574 هـ/1178 م)، أحد أطباء البيمارستان النوري بدمشق : كان من أكابر أطباء زمانه، ومن طلابه الطبيب المشهور رضي الدين الرحبي، فقد تلقى عنه الطبيب الأندلسي أبو زكريا يحيى بن اسماعيل البياسي، علم الموسيقى. والبياسي هذا، بعد ، كان بارع العزف على العود، صنع أرغناً أيضاً.
ومنهم : أبو المجد بن أبي الحكم عبيد الله بن المظفر (576 هـ/1180 م)، الذي كان رأس أطباء البيمارستان المذكور ، تضلع من علم الهندسة وعلم النجوم ، وكان (… يعرف الموسيقى، ويلعب بالعود، ويجيد الغناء والإيقاع والزمر وسائر الآلات، وعمل أرغناً وبالغ في إتقانه).
ولاغرو في هذا كله، فقد كان للموسيقى مكان مخصوص، ملحوظ في التعليم عند المسلمين. وحسبنا، في هذا المجال، أن نشير إلى أن العالم الرياضي، علم الدين قيصر بن أبي القاسم بن مسافر، المعروف بتعاسيف الأسفوني، درس الموسيقى على كمال الدين موسى بن يونس الموصلي (ابن منعه). وقد سأل كمال الدين تلميذه: بأي العلوم يريد أن يشرع فلم يقدم علم الدين على الموسيقى علماً.