(2)
ماهية الإسلام

هذا هو عنوان القسم الأول من أقسام الكتاب الستة ، التي يشمل كل قسم منها علي مذهب أو أكثر يناقش فيه الكاتب كل مذهب علي حده من حيث النشأة والأفكار وما له من سماحة وماعليه من غلو وتعصب
وربما يبدو للوهلة الأولي أن هذا القسم ( الأول ) يناقش موضوعات وقضايا ليست ذات صلة بموضوع الكتاب الأصلي وأقصد بذلك المذاهب في الإسلام فما علاقة التكافل الإجتماعي وسماحة الإسلام وكذلك موقف الإسلام من الرق ومكانة المرأة في الإسلام أوالزواج بأكثر من واحدة - وهي مواضيع كثيرا ما أثيرت وتم مناقشتها في أكثر من كتاب حتي يمكن القول أنها أخذت حقها من البحث والمداولة – بموضوع الكتاب الشائك.
والحقيقة أنني بعدما بدأت أتجول في صفحات هذا القسم أدركت مقصد الكاتب وكم هو ضروري وجوده بين دفتي الكتاب ويمكن أن نطلق عليه " لماذا الإسلام ..."
فلقد إستغل الغرب هذا التفرق وهذا الإختلاف بين المسلمين في محاولة النيل منه والبحث عن نقاط ضعف في عقيدته ليشككوا في سماحة هذا الدين ونبل مقصده ثم يدللون علي ذلك بما فيه المسلمين من فرقة وتمزق .
ووجود هذا القسم في صدارة الكتاب له أثر أكثر من رائع في النفس كأن لسان حال الكاتب يقول هذا هو الإسلام الحنيف عندما كان بغير مذاهب وقبل أن تحدث الفرقة وهذا هو المجتمع الذي يرتضيه الإسلام لأهله إذا إلتفوا جميعاً حول كلمة التوحيد ونحوا خلافاتهم جانباً ....... فهل من مجيب..؟؟!!!

الإسلام دين الفطرة

كيف إستطاع هذا الدين أن ينتشر ويصل بسمو فكرة وقوة عقيدته إلي قلوب الناس وكيف أن من إعتنق هذا الدين الحنيف لا يرتضي عنه بديلا ، ويذكرنا الكاتب هنا بالجزائر وما حدث فيها طوال 130 عاماً من الإحتلال وحملات التبشير وكيف أن هذه الحملات التبشيرية المتتالية لم تستطع أن تخرج إلا مسلم واحد عن دينه طوال كل هذه السنوات ، وكيف أن هذا الدين العظيم إستطاع أن ينشر الحضارة أينما ذهب حتي أنه صنع حضارة للعرب من أعظم الحضارات في تاريخ الإنسانية علماً وفكراً .. أمة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر

وجود الإله الواحد وخلق الكون

أساس العقيدة في الإسلام هو الإيمان بالله الخالق الواحد الأحد ومن غير المنطقي أبدا أن يكون كل هذا الكون قد وجد عن طريق المصادفة
ويستشهد الكاتب بآيات القرآن الكريم ثم بالفيلسوف الكبير ديكارت وفكرته في إثبات وجود الخالق حيث تتلخص فكرة ديكارت " أن كلا من المؤمن والكافر والشاك يقيم إيمانه أوكفره أوشكه علي أي رأي صادر من عقله وفكره ، ومادامت أفكر أنا إذن موجود وإذا كنت موجود فإما أن أكون قد أوجدت نفسي أو أوجدني غيري ، فإذا كنت أنا الذي أوجدت نفسي فإن في عيوباً ونقائص لابد من تلافيها كي أصل إلي الكمال ، ولكن برغم شوقي للكمال فإني لا أستطيع تحقيقة، ومادمت لاأستطيع تحقيقه فأنا عاجز عن تحقيق الكمال لنفسي فأنا من باب أولي أشد عجزاً عن خلق نفسي ، وإذن فقد خلقني غيري ، وهذا الغير لا بد أن يكون أكمل مني لأن الناقص لا يخلق ما هو أكمل منه ، ولايمكن أيضاً أن يكون مماثلاً لي ، فلم يتبقي إذا إلا المطلق وهو الواحد الخالق الأحد ".

سماحة الشريعة الإسلامية

لم يأتي الإسلام لينكر الأديان السابقة له بل جعل الإيمان بها جزءاً لا يتجزء من عقيدة المسلم "... آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله..."
وإتخذ الإسلام أسلوب الدعوة له بالحكمة والموعظة الحسنه "... لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.."
وقد إستطاع الإسلام أن يبني مجتمعاً جديداً مبني علي أساس هذا التسامح وحرية العقيدة وشريعته الغراء التي إشتملت علي المعاملات وربط علاقات الناس بعضهم ببعض وما فيها من تنظيم دقيق لحركة المجتمع نذكر منها علي سبيل المثال
نظام التوريث في الإسلام .. وكيف جاء الإسلام فقسم التركة تقسيما عادلا يراعي دور الرجل والمرأة في الأسرة وكذلك درجة القرابة بعدما كانت التركة تذهب للإبن الأكبر فقط ( وسوف يجيء الحديث عن حكمة أن للذكر مثل حظ الإنثيين لاحقاً ) ، وكذلك نظام المحارم في الزواج .. وما حددته الآية 23 من سورة النساء وكيف إرتقي بالعلاقات الإجتماعيه وإيتعد بها عن الإنحطاط والبهيمية ، وكذلك بر الوالدين وإكرامهما وحسن معاملتهما حتي وإن جاهداك علي أن تشرك بالله.

مرونة الإسلام

لا إفراط ولا تفريط فلله ملكه وعظمته وللعقل الإنساني تقديره ومكانته ، ولم يدعوا الإسلام يوماً إلي الجمود والتخلف عن الركب بدليل قوله "صلعم" في الحديث الصحيح
" لكل شيء دعامة ، ودعامة المؤمن عقله ، فبقدر عقله تكون عبادته ، أما سمعتم قول الفجار في النار: لو كنا نسمع أو نعقل ماكنا في أصحاب السعير
وكان الرسول " صلعم " يحض علي طلب العلم ولو في الصين ومعني ذلك أن المقصود بالعلم هنا ليس العلم الشرعي فقط ، وإنما العلوم الدنيوية بمفهومها العام ، وتاريخ الإسلام ملئ بالنمازج المشرفه للعلماء كالفارابي وابن سينا وابن رشد وكذلك كان الإسلام يحتضن العلماء من كل دين وملة مثل إبن ماسوية الذي وكله الرشيد ديوان الترجمة .

التكافل الإجتماعي

عمل الإسلام علي تضييق الهوية بين الطبقات الإجتماعية فلا يموت الفقير جوعاً ولا يهلك الغني تخمة فشرع نظاماً للضرائب كما شرع الزكاة وحبب في الصدقات وجعلها تكفيراً للخطايا حتي يجد الفقير من يكفله وكلنا لا ننسي كلمة عمر للفقير الزمي الذي كان يتسول في الطريق " ما أنصفناك إذ أخذنا منك الجزية وأنت شاب وتركناك تتسول وأنت شيخ " وفي هذا أبلغ الحديث عندما نتحدث عن التكافل في المجتمع الإسلامي حتي مع غير المسلمين ..

الشوري في الإسلام

لعل الإسلام هو الدين الوحيد الذي دعا إلي الشوري في الحكم ، سبق بذلك مدعي الديموقراطية ، وكيف يمكن للتاريخ أن ينسي كلمة أبي بكر الشهيرة يوم توليه حكم المسلمين بعد رسول الله " أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" ، وقوله "إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن إستقمت فتابعوني وإن زغت فقوموني"
وهل يمكن أن ينسي التاريخ أيضاً عمر بن الخطاب وهو يقول للناس وهو أمير المؤمنين " أيها الناس إذا رأيتم في إعوجاجاً فقوموني " فيرد أحدهم والله لو رأينا فيك إعوجاجاً لقومناك بسيوفنا" فيقول عمر الحمد لله الذي جعل في أمه محمد من يقوم أمير المؤمنين بسيفه"
وهل بعد هذا ديموقراطية ..؟؟!!
ولأمانة الكاتب العلمية يعترف أن ماتلي حكم الخلفاء الراشدين من حكم وراثي لا يتفق مع الإسلام في نصه ولا في روحه ...

المساواة في الإسلام

وضع الإسلام دستوراً عظيماً وأساساً للعداله في المجتمع بقوله تعالي "... إن أكرمكم عند الله أتقاكم .."
وقوله ( صلعم ) : " الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي ، وقوله ( صلعم ) " وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"
وهذا القانون لايطبق علي المسلمين فيما بينهم فقط ولكنه أيضاً يطبق علي غير المسلمين الذين يعيشون في ديار الإسلام لقوله تعالي "... لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.... "
وها هو ذا عمربن الخطاب يقول لعمرو بن العاص " متي إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" عندما جاء له قبطي مصري يشكي له أن إبن عمرو بن العاص إعتدي عليه وضربه بالسوط وقال له ..أنا إبن الأكرمين فأمسكه عمراً سوطا لديه وقال له إضرب إبن الأكرمين
ويقارن الكاتب بين هذا الموقف وبين موقف الحضارة اليونانية ممثلة في معلمها أرسطو في كتابه الأخلاق وهو يضع مبدأ التفريق الإجتماعي والتمييز الطبقي كأساس للمعاملة وتوزيع الرتب والألقاب والأموال في المجتمع ..؟؟!!
وفي العصر الحديث الغرب الذي يتغني بالمساواة .. نري ماحدث للهنود الحمر في أمريكا وما فعله الإنجليز في السكان الأصليين لأستراليا ونيوزلندا من إباده جماعية والأمثلة هنا كثيرة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ، وكفي بالإسلام فخراً أن بلال بن رباح الحبشي الأسود كان خيراً من كثير من سادة العرب

القوة الرحيمة في الإسلام

جاء الإسلام دينا وسطاً بين اليهودية التي تميل إلي القوة والعنف وبين المسيحية التي تميل للرحمة والسلام حيث وضع كلا منهما في موضعه
فالإسلام في الأساس دين رحمة ومودة "... فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القول لإنفضوا من حولك...." ولكن إذا ما تعلق الأمر بما يمس الدين والعقيدة نجد قوله تعالي ".. محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم.."
ولا يرضي الإسلام أبداً للمسلم أن يعيش ذليلا ضعيفاً .. فإذا ماضاقت عليه الأرض فليهاجر وأرض الله واسعة حتي يستطيع أن يسترد حقه .