هذه المرة نستقرئ معا سيرة سيدة شاعرة مخضرمة

تقية بنت غيث

تقية بنت غيث بن علي السلمي الأرمنازي،
أم علي وهذه كنيتها ولقبت ( بست النعم ) وهي من السيدات الأديبات الفضليات

ازدادت في أسرة علم ، أصلها من مدينة صور وولدت في دمشق ،في سنة 550 للهجرة ووافتها المنية سنة 579 للهجرة في الإسكندرية
ولا غرابة إن كانت تشبعت منذ صغرها بالشعر وتذوقها له ، فقد كان جدها أبو الحسن علي بن عبد السلام من الشعراء البارزين في مدينة صور
كما كان والدها بو لفرج غيث المعروف بابن الأزمنازي كاتبا وخطيبا.

في سنة 518 هجرية وإثر الاحتلال الصليبي لميناء صور ، حينها كانت الشاعرة تقية بلغت السنة الثالثة عشرة من عمرها فشدت أسرتها الرحال إلى مدينة الإسكندرية
وهناك تعرفت على أبي طاهر أحمد فتلقت العلم في حلقته وكانت نجيبة ذكية حافظة وقد ذكرها علي أبوطاهر في كتابه ووصفها بأنها سيدة شعرها لم ير له نظيرا
كذلك اعترف وأشاد بشعرها أدباء آخرون مثل الصفدي والمنذري والمقدسي

وقد نظمت الشاعرة تقية قصائد في الهجاء والمديح وفي الغزل أحيانا وفي المعارك والملاحم أيضا والفخر وكانت لها البراعة التامة وقوة تطويع المعاني كيفما شاءت وكان نظمها بديعا متقنا

هذه شذرات من بعض أشعارها

في وصف الطبيعة


أعوامُنَا قد أَشْرَقَتْ أَيَّامُهَا ****وعلاَ على ظَهْرِ السِّماكِ خيامُهَا

والروضُ مُبْتَسِمٌ بِنَوْرِ أَقاحِهِ **** لما بكى فَرَحاً عليه غَمَامُهَا

والنَّرْجِسُ الغضُّ الذي أَحْدَاقُهُ **** تَرْنُو لِتَفْهَمَ ما يقولُ خُزَامها

والوردُ يحكي وجنةً محمَرَّةً **** انحلَّ من فَرْطِ الحياءِ لِثامُها

في االفخر

تعيبُ على الإنسان إظهارَ عِلْمِه ****أَبالِجدِّ هذا منك أمْ أنْتَ تَمْزَحُ

فَدَتْكَ حياتي قد تقَدَّمَ قبلنا ****إلى مَدْحهِم قومٌ وقالوا فأَفْصَحوا

وللمتنبي أحرُفٌ في مديحهِ ****على نَفْسِهِ بالحقِّ والحقُّ أَوْضَحُ

أَرُوني فتاةً في زماني تَفُوقُني ****وتَعْلُو على عِلْمي وتَهْجُو وتَمْدَحُ

في الحنين إلى موطنها

نأيتُ وما قلبي عن النأيِ بالراضي **** فلا تغتررْ مني بصدّي وإعراضي

وإني لمشتاقٌ إليهم متيم *** وقد طعنوا قلبي بأسمرَ عرّاضِ

إذا ما تذكرتُ الشامَ وأهلَه ***بكيتُ دماً حزناً على الزمنِ الماضي

ومذْ غبتُ عن وادي دمشقَ كأنني **** يُقْرَضُ قلبي كل يوم بمقراضِ

أبيتُ أراعي النجمَ والنجمُ راكدٌ ****وقد حجبوا عن مقلتيّ طيبَ إغماضِ

فهل طارقٌ منهم يُلمُِّ بناظري **** فإن لقاءَ الطيفِ أكثرُ أغراضي

لعلّ الليالي أن تجرِّدَ صارماً **** على البينِ أو يقضي لها حكمُ قاضي

الشوق للوطن

هاجَتْ وساوسُ شوقي نَحْوَ أَوْطَانِي **** وبان عَنِّي اصطِبَاري بعد سُلْواني

وبتُّ أَرْعَى السُّهَا والليلُ مُعْتَكِرٌ ***** والدمعُ مُنْسَجِمٌ من سُحْبِ أَجْفَني

وعاتَبَتْ مُقْلَتِي طيفاً أَلَمَّ بها **** أَهكَذَا فِعْلُ خِلاّنٍ بخلاّنِ

نأَيْتُ عنكم وفي الأحشاءِ جَمْرُ لَظىً **** وسُقْمُ جِسْمي لِمَا أَهْوَاهُ عُنْواني

إذا تذكرتُ أيّاماً لنا سَلَفَتْ **** أَعانَ دمعي على تَغْريق نسياني