قضاء وقدر.. مع وثيقة تأمين
قضيت عامي 1986 و1987 متجولاً في أمريكا ولم أتجاوز بعد السابعة عشرة من عمري. وفي ذلك الوقت لاحظت أن المسافرين في المطارات يأخذون ورقة صغيرة من جهاز غامض (يشبه ماكينة الصراف) قبل الصعود للطائرة. وبما أنني أتيت من مكان لم يعرف بعد (حتى مكائن الصرافة) كنت أتوجس خيفة من ذلك الجهاز.. وذات يوم كنت في مطار دالاس حين جلس بقربي شاب لطيف تجاذب معي أطراف الحديث. وحين اقترب موعد صعودنا للطائرة قال فجأة «أووووه نسيت المرور على الجهاز»، فاغتنمت الفرصة وقلت بدوري «أووووه وأنا أيضاً».. وحين وصلنا سألني «كم ستضع فيه» قلت ماذا تقصد؟ قال «خمسة أم عشرة أم عشرين دولاراً؟؟».. ولأنه كان يعتقد أننا - نحن السعوديين - نملك آبار نفط في منازلنا اخترت مكرهاً «العشرين».. وعلى الفور خرج لي ايصال برقم الرحلة والمقعد وبوليصة تأمين على الحياة بعشرين مليون دولار!!!
كان الجهاز ببساطة يبيع وثائق تأمين على الحياة تدفع لعائلة الراكب في حالة سقوط الطائرة. ولأن كوارث الطيران نادرة في أمريكا (حيث لا تسقط طائرة او طائرتين كل عام) غدت الفكرة مربحة لشركات التأمين - وفي نفس الوقت تستحق المغامرة من قبل المسافرين!!
على أي حال - كما هو واضح - انتهت الرحلة بسلام وندمت على ضياع العشرين دولاراً وحرمت التعامل مع ذلك الجهاز (الذي سمعت انه اختفى حالياً بفضل التأمين المباشر على التذاكر)..
هذا الندم - الذي ترافق مع شعوري بالخداع - يظهر الفرق بين ذهنيتين مختلفتين بخصوص فكرة التأمين ذاتها.. ففي حين ينظر الرجل الغربي لوثيقة التأمين كصفقة عادلة تحتمل الربح والخسارة (ولا مانع في خوضها) نراها نحن مجازفة اقتصادية لكارثة نادرة (ينظر اليها كقضاء وقدر)!
والفرق بين العقليتين هو ما يجعلنا نتهرب من فكرة التأمين عموماً (رغم شرعية معظمها) ويجعلنا نستغرب من تنوعها وانتشارها في الدول الغربية..
ورغم كثرة المصائب التي يمكن التأمين ضدها (!) إلا أن اتفاقيات التأمين على الحياة وإصابات العمل تعد الأكثر رواجاً وانتشاراً حول العالم. فاللاعب الفرنسي المعروف زين الدين زيدان مثلاً أمن على قدميه بـ 20 مليون دولار وعلى صلعته بـ 10 ملايين وعلى إصابته بإعاقة دائمة - قبل سن الأربعين - بـ 15 مليون دولار!!
أما عارضة الأزياء الشهيرة سوزان ميري فما تزال صاحبة أعلى تأمين موزع على أعضاء الجسد.. فشركة الأزياء التي تعمل بها استخرجت لها بوليصة تأمين بقية 7,5 ملايين لوجهها، و1,5 مليون لرقبتها، و1,5 مليون لذراعيها، و1,5 لساقيها، و1,5 لصدرها و3 ملايين لأي كارثة عامة تقعدها عن العمل!!
أما المغني المشهور مايكل جاكسون فيملك اتفاقية تأمين مدى الحياة ضد احتمال فقدان صوته (وصلت عام 1997 الى 370 مليون دولار). وبسبب هوسه بتغيير شكله خضع لتسع عشرة عملية جراحية (أبرم قبل كل واحدة منها) اتفاقية تأمين ضد أي خطأ قد يرتكبه الجراح ويتركه مشوهاً بقية العمر!!
- بقي أن أسألك (أنت) بأي العقليتين تتمتع!؟
س: هل تدفع مثلاً عشرين دولاراً فقط مقابل 20 مليون يستلمها ورثتك في حالة سقوط الطائرة (وهو احتمال لا يتجاوز واحداً على 120 مليوناً !؟
س: ولو كنت زين الدين زيدان هل ستدفع خمسمائة ألف دولار في العام، مقابل 45 مليون دولار تستلمها في حالة إصابتك بشكل دائم في الدوري الاسباني!؟
بدون شك لا راد لقضاء الله، ولكنه بالتأكيد يصبح أخف وطأة حين يتضمن (بوليصة تأمين)!
يتبع



رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)