ولمَّا جاء المؤمنات إلى رسول الله يبايعنه أخذ عليهن العهد كما أمره الله بقوله:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الممتحنة/12]
قالت هند بنت عتبة رضي الله عنها : وهل تزني الحرة! [35].
فهي تتعجب أن تقوم الحُرُّة المحصنة بالإقدام على هذا الأمر المشين،مع أنَّه ليس مستغرباً في زمانهم وقد كانت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق إحدى الغافلات عن الفحش الذيرميت به كما في قصة الإفك [36]
وما هذه الآية [37]إلا في أمرها وبيان صِدْقِها وعفافها، وكفى بها شرفاً أن تتلى هذه الآيات ببرائتها إلى يوم القيامة، إضافة إلى أنَّ الله تعالى رتَّب على من قذفها وكذا من جاء بعدها من المؤمنات النَّقيات التقيات باللعن في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم.
وهذا القول الذي اختير أي القول بعموم الوعيد فيمن رمى عائشة وكل مُحْصَنة غافلة مؤمنة، هو ما اختاره الإمام ابن جرير في تفسيره حيث قال:"وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة رضي الله عنها، والحكم بها عامٌ في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها.
وإنَّما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب ؛ لأنَّ الله عمَّ بقوله
{ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور/23]
كلّ محصنة غافلة مؤمنة، رماها رامٍ بالفاحشة، من غير أن يخصّ بذلك بعضاً دون بعض، فكل رامٍ محصنة بالصِّفة التي ذكر الله جلَّ ثناؤه في هذه الآية؛ فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإنَّ الله دلّ باستثنائه بقوله
{ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [آل عمران/89]
على أنَّ ذلك حكم رامي كلّ مُحْصَنة بأي صفة كانت المُحْصَنَة المؤمنة المرْمِيَّة، وعلى أنَّ قوله
{ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور/23] معناه:
لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا" [38].
فليتأمل العاقل اللبيب هذه الآيات { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ }
{ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }
[النور/23 ـ 26].
============
[1] الصِّحاح – تاج اللغة وصحاح العربية - ؛لإسماعيل بن حمَّاد الجَوْهَري ، المتوفَّى سنة393 هـ 5/1782 مادَّةُ "غَفَلَ"
تَحْقِيْق أحمد عبد الغفور عطَّار ، .
[2] معجم مقاييس اللغة ؛لأحمد بن فارس، المتوفَّى سنة 395هـ 4/386، مادَّةُ "غَفَلَ" ، بتَحْقِيْق عبد السلام محمد هارون
وقيل اسمه المفضل بن محمد وهو ما سار عليه صاحب بُغْيَة الوُعَاة 2/297، وصاحب طبقات المفسرين محمد بن علي بن أحمد الدَّاوودي، المتوفَّى سنة 945هـ 2/329، .
[4] مفردات ألفاظ القرآن؛ للرَّاغِب الأصفهاني ص:609،مادَّةُ " غَفَلَ " ، تحقيق: صفوان عدنان داوودي،
[5] هو: الحسين بن مسعود بن محمد العلامة أبو محمد البَغَوِي الفقيه الشافعي، يُعَرَف بابن الفَرَّاء ويُلَقَّب بِمُحْيِي السُّنَّة ، توفي سنة 510هـ
[ انْظُر تَرْجَمَتَهُ: تَذْكِرَة الحُفَّاظ؛ لشمس الدِّين محمد الذَّهَبِي ، المتوفَّى ســـنة 748هـ،2 /37
1419هـ = 1998م؛ طبقات المفسرين ؛ للإمام جلال الدِّين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيُوطِي ،المتوفَّى سنة 911هـ،ص:38،راجع النُّسخة وضَبَطَ أعلامها لجْنَةٌ من العلماء
[6] تفسير البغوي معالم التنزيل ؛للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ،4/358، حقَّقَه وخرَّج أحاديثه :محمد عبدالله النِّمْر، وعثمان جمعة ضميرية،وسليمان مسلم الحرش .
[7] فتح القدير الجامع بين فَنَّي الرِّوَاية والدِّرَاية من علم التفسير؛لمحمد بن علي بن محمد الشَّوكاني،المتوفَّى سنة 1250هـ ،2/238
وثَّق أُصُوْلَه وعَلَّق عليه سعيد محمد اللحَّام
[8] معجم مقاييس اللغة 5/421،مادَّةُ "نَسِيَ".
[9] المفردات ص :803، مادَّةُ "نَسِيَ".
[10] التعريفات ص:167.
[11] الكُلِّيات ص 506.
[12] فرائد اللغة، لهنريكوس لا منس اليسوعي1/235، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، 1889م.
[13] هو: علي بن محمد بن سالم التغلبي، أبو الحسن، سيف الدِّين الآمدي: أصولي، باحث،قيل:إنَّه حفظ الوسيط للغزالي وتفنَّنَ في علم النَّظَر والكلام والحكمة وكان من أذكياء العالم ، توفِّي سنة 631هـ
[ انْظُر تَرْجَمَتَهُ:شذرات الذَّهَب في أخبار من ذهب ؛للمؤرِّخ الفقية الأديب أبي الفلاح عبد الحيّ بن العماد الحنبلي، المتوفَّى سنة 1089هـ 5/144
[14] كَشَّاف اصطلاحات الفنون 6/1337.
[15] مجموع الفتاوى 3/35
[16] مجموع الفتاوى 3/36.
[17] التحرير والتنوير؛ لسماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، المتوفَّى سنة 1393هـ 13/245، [18] النَّقير: النُّكتة في ظهر النواة [الكليات، ص:909].
[19] القِطْمير: شقّ النواة، أو القشرة الرقيقة بين النواة والتمر [الكليات، ص:909].
[20] الكشَّاف ، 2/527
[21] هو: محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس،كان له باع طويل في مختلف العلوم،عيِّن عضواً في المَجْمعين العلميين في القاهرة ودمشق، توفِّي سنة 1393هـ= 1973م [ انْظُر تَرْجَمَتَهُ: الأعلام،6/174،والمستدرك على معجم المؤلفين؛لعمر رضا كحَّالة،ص:662 [22] التحرير والتنوير، 13/245.
[23] الحديث حسن لغيره أخرجه أحمد في المسند 4/151 برقم.17409؛وأبو يعلىأحمد بن علي بن المثنى ،أبو يعلى الموصلي ، المتوفَّى،سنة307هـ في مسنده 3/288 برقم 1749،تحقيق حسين سليم ،والطبراني في المعجم الكبير17/309 برقم 853.
قال مُحَقِّق المسند الموسوعة الحديثية، 28/600 :"الحديث حسن لغيره،[ وفي سنده ] عبدالله بن لهيعة سيئ الحفظ ،لكن الراوي عنه هنا هو قتيبة بن سعيد ،وقد مشَّى بعض أهل العلم حديثه عن ابن لهيعة، وذلك لأنّه كتب أحاديثه من كتاب ابن وهب ثمَّ سمعها من ابن لهيعة،وكان ابن وهب ممن سمع منه قديماً قبل اختلاطه واحتراق كتبه.وحسَّن هذا الإسناد الهيثمي في المَجْمَع 1/270].
[24] فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النَّذير ؛للعلامة محمد عبدالرؤوف المناوي المتوفَّى سنة1031هـ 2/334
ضبطه وصحَّحَه أحمد عبدالسّلام، .
[25] شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال؛ لسلطان العلماء عزُّ الدَّين عبدالعزيز بن عبدالسَّلام السُلمي، المتوفَّى سنة 660هـ، ص:145،تحقيق إياد خالد .
[26] هو: محمد بن أحمد بن محمد بن جُزَي الكَلْبي المالكي، يُكْنَى أبا القاسم، من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنَّباهة فيها،إمام مقرئ عارف، توفِّي شهيداً يوم الكائنة في عام 741هـ. [ انْظُر تَرْجَمَتَهُ: غاية النِّهاية في طبقات القُرَّاء ؛لشمس الدِّين أبي الخير محمد بن محمد بن الجزري،
المتوفَّى سنة833هـ،2طبقات المفسرين ؛للداوودي 2/85].
[27] التسهيل لعلوم التنزيل؛للإمام العلامة محمد بن جُزَي الكَلْبي ،المتوفَّى سنة 741هـ 3/63 .
[28] معالم التنزيل 6/27.
[29] هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي المصري،مفسرُ ،نحوي،أديب،أبو جعفر النَّحَّاس،اشتغل بالتصنيف في علوم القرآن والأدب،توفَّي سنة 338هـ [ انْظُر تَرْجَمَتَهُ: معجم الأدباء،1/617؛طبقات المفسرين؛للداوودي،1/68؛الأعلام،1/208].
[30] إعراب القرآن ؛لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النَّحاس ،المتوفَّى سنة338هـ،2/436،تحقيق الدكتور زهير غازي زاهد ،مطبعة العاني،بغداد.
[31] هو: محمد بن محمد ،بن مصطفى العِمَادي الحَنَفِي ،مُفَسِّر،شاعر من علماء التُّرك المستعربين،تنقّل في المدارس ثمّ قُلِّدَ قضاء بَرْسة ثمَّ قسطنطينية ثمَّ قضاء العسكر في ولاية روم ايلي وأضيف إليه الإفتاء،وكان حاضر الذِّهن سريع البديهة،جامعاً للغات العربية والتُّركية والفارسية،توفِّي سنة 982هـ [ انْظُر تَرْجَمَتَهُ:شذرات الذَّهب 8/398؛الأعلام 7/59 ].
[32] تفسير أبي السعود [ إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ] ؛للقاضي أبي السعود،محمد بن محمد بن مصطفى العِمَادِي الحنفي، المتوفَّى سنة982هـ 4/448، وضع حواشيه عبداللطيف عبدالرحمن
[33] هو:إبراهيم بن عمر بن حسن الرُبَاط ـ بضمِّ الرَّاء وتخفيف الباء ـ بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي المحدِّث المفسِّر الإمام العلامة المؤرِّخ،برهان الدِّين ،أبو الحسن ،برع في جميع العلوم ،وفاق الأقران،المتوفَّى سنة885هـ
[ انْظُر تَرْجَمَتَهُ:شذرات الذَّهب 7/338؛البدر الطالع1/18 الأعلام 1/56 ].
[34] نَظْمُ الدُّرَر في تَنَاسُب الآيات والسُّور؛ لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي ،المتوفَّى سنة885هـ ،5/249، خرَّج أحاديثه عبدالرزاق غالب المهدي
[35] القصة في مسند أبي يعلى،8/194، وذكرها ابن جرير في تفسيره ـ بسنده ـ 28/78،وابن حجر في الإصابة 8/346.
[36] القصة أشهر من أن تذكر وهي في الصحيحين صحيح البخاري ،كتاب الشهادات ،باب:تعديل النِّساء بعضهن بعضاً،برقم2661؛وصحيح مُسْلِم،كتاب التَّوبة ،باب :في حديث الإفك،وقبول توبة القاذف،برقم 6951.
[37] أعني آية النور { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات}، الآية:23.
[38] جامع البيان عن تأويل آي القرآن ؛لمحمد بن جرير الطَّبَري ،المتوفَّى سنة 310هـ 18/105.



رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)