سيدي الفاضل
محمد كامل
إن محتوى ردك راق من رقي فكرك وعلمك
أسعدني هذا التواصل الطيب منك سيدي
الذي أشكرك عليه
وعلى ضوء ما جاء في ردك
يسعدني أن أدرج هنا جزءا من مقال حين قراءته راق لي كثيرا


لا شك أنَّ الحضارة العربيَّة استمدتْ قُوَّتها من الإسلام، والقرآن الكريم هو الذي أرْسى دعائم الأدب الإسلامي، وثبت أركانها، ليس في حالات المد الإسلامي فقط، بل أيضًا عندما تهاوتْ ثوابت كثيرة بسبب الوهَن الذي أصاب الأمة العربية في فترات الضعْف، ولذلك فإنَّ الأدب الإسلامي الذي تدثَّر بلغة القرآن الكريم، هو الذي ظل شامخًا وصامِدًا أمام عوامل التعرية التي صاحبت الغزو الفكري الذي تعرضتْ له الأمةُ العربية.

ولقد بدأ الأدب الإسلامي بمفهومه الشامل مع بداية الدعوة الإسلامية، بل سبقتْه إرهاصاتٌ بشَّرَتْ به قبل ظُهُوره، فكانتْ أشعار عنترة بن شداد، وزُهَيْر بن أبي سُلمى، وقُس بن ساعدة، وبعض معاصريهم، بمثابة مقدمات تُهيئ الساحة الأدبية لهذا الوافد المرتقب، وإن لَم يكن الأمر كذلك، فكيف يفسّر قول زهير:


وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
ومَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ وَإِنْ يَرْقَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ

وكذلك قول عنترة بن شداد:

أَغْشَى فَتَاةَ الحَيِّ عِنْدَ حَلِيلِهَا وَإِذَا غَزَا فِي الجَيْشِ لاَ أغْشَاهَا
وَأَغُضُّ طَرْفِي إِنْ بَدَتْ لِي جَارَتِي حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأْوَاهَا

وأيضًا قولُ قُس بن ساعدة:


لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَومِي نَحْوَهَا تَمْضِي الأَصَاغِرُ وَالأَكَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّيَ لاَ مَحَا لَةَ حَيْثُ صَارَ القَوْمُ صَائِرْ

والأمثلة كثيرة، وما كانتْ سوق عكاظ إلا بوتقة انصهرتْ فيها الإبداعات الأدبية، وتفاعلتْ وتطورتْ، وانتشرتْ من خلال مَن يرتادونها إلى أنحاء الجزيرة العربية، لأمرٍ قد قُدِر.

إذًا؛ الأدبُ الإسلامي ليس توجُّهًا مبتكرًا في الفترة الأخيرة، وليس أمرًا جديدًا، ولكن الجديد فقط هو (المصطلح) و(الرابطة) التي تبنتْ هذا التوجُّه، ودعت إليه حين اقتضت الضرورة ذلك، وكذلك كل التوجُّهات الأدبية الأخرى عبارة عن توجُّهات وليدة حديثًا - سواء كانتْ أهدافها معروفة أم لا - في أشكالِها ومضامينها ومصطلحاتها، ولكن هذه التوجُّهات ليستْ لها أصول أو جُذُور ثابتة، وربما تكون وافدةً بحذافيرها من ثقافات أخرى، وبالتالي فإنَّ بقاءَها مرهون ببقاء رموز وظروفٍ معيَّنة، على عكْس الأدب الإسلامي الذي سيبقَى في حماية القرآن الكريم إلى أن يرثَ الله الأرض ومَن عليها.

ولذلك؛ فإنَّ كل التوجهات الأدبية التي لا تنطلق من قاعدة الحضارة الإسلامية العريقة وثقافتها وأخلاقياتها - زَبَدٌ سيذهب جُفاء-
كما أنها لا أثَر لها في مسيرة الحضارة العربية أو الإسلامية التي تُعتبر أول حضارة اهتمَّت بثقافة المجتمع وآدابه، خُصُوصًا أنها بدأتْ بقوله تعالى:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: 1).

وللحديث بقية