+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 10 من 58

الموضوع: بلاغة القرآن في التعبير بالغدو والعشي والإبكار

العرض المتطور

  1. #1

    • عبير
    • Guest

    افتراضي

    يقول الزمخشري بعد أن نص على أن التسبيح من جملة الذكر وأفصح عن حمل الأمر فيهما على ظاهره:
    إنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل - يقصد في قوله تعالى

    (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) (البقرة/98) - .

    ليبين فضله على سائر الأذكار لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال وتبرئته من القبائح، ويستطرد منوها عن مكانته وقائلا :
    ومثال فضله على غيره من الأذكار فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، وبالطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام والتوفر على الطاعات كلها والاشتمال على العلوم والاشتهار بالفضائل ا.هـ)(1)، وهو في معنى ما ذكر.
    ولعل الوجه في هذا العطف، وفي تخصيص الذكر المأمور به أولا بالكثرة دون التسبيح ،أنه بتفسير الذكر الكثير بما يعم أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى تعلق الظرفين المختصين بالفعل الأول كذا ذكره الآلوسي(2)، وبمثل ما ذكره تلتمس العلة فيما دلت القرائن عليه، لا أن يضرب عنها وعن معلولها الصفح ويثني عنهما العطف، وسيأتي الكلام - بمشيئة الله تعالى- عن معنى الذكر الكثير وعن فضله إبان حديثنا عن مقام الحث عليه بالمبحث الثالث.

    (1) الكشاف 4/265.
    (2) روح المعاني22/60مجلد 12بتصرف.

    لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا أنه وابتناء على ما سبق، فإن اطلاق الذكر في وقتي التسبيح في نحو قوله تعالى:

    ( واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) (الإنسان/25)

    جمعا بين الأدلة وطرقا للباب على وتيرة واحدة، يرجح أن يكون من إطلا ق الكل وإرادة الجزء فيكون بذلك من المجاز المر سل لعلاقة الكلية، ولا يبعد أن يدخل في هذا قوله تعالى في سورة الأعراف :

    (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال) (الأعراف/205)

    ليفيد إطلاق الذكر كي يعم سائر الأحوال والأوقات، وتقييد الوقتين المذكورين بأفضله وأشمله وهو التسبيح فيكون من باب حمل المطلق على المقيد، كما أن التسبيح يطلق – على ما سبق تقريره - ويراد به الصلاة مجازا.
    ثالثا: ما يجمل حمله من التسبيح على معناه الكنائي
    سبق أن ذكرت أن من مشهور إطلاقات العرب قولهم:


    (إني لآتيه بالغدايا والعشايا) يرومون به استدامة المجئ واستمراره، وقد جاء القرآن في هذا على طريقتهم في التكنية بهذين الوقتين عن نفس هذا المعنى، ومن الأمثلة الواضحة في ذلك قوله سبحانه عن أهل الجنة:

    (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) .( مريم/62).

    وقد صدرت عبارات كثيرة من أهل التأويل تشير إلى أن المقصود بذكر الوقتين فيما كان الأمر فيهما بالدعاء مثلا أو بالتسبيح أو الذكر، استيعاب الزمان والدلالة على الدوام، وعقبت على ذلك بضروة أن توضع الآيات تلك في سياقاتها لتفهم وتحمل على وجهها الصحيح، ذلك أنه يشتم من كلامهم، أنهم يقصرون المعنى فيما يمكن حمله على الكناية كما في الآية المذكورة وكذا ما جاء على شاكلتها على معنى الاستدامة ويجعلونه حقيقة فيه، وربما حملوا الآية بسبب هذا ما لا تحتمل، والذي ينبغي الالتفات إليه أن الكناية أخت الحقيقة إذ ليس هنالك ما يمنع من إرادة المعنى الأصلي للفظ مع المعنى الكنائي، وذلك ما أراده البلاغيون بقولهم عنها أنها: (لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة معناه الأصلي).

    وعلى نحو ما أغرب البعض في الاقتصار على المعنى الكنائي لما يحسن حمله عليه، كما فعل ابن عاشور والآلوسي مثلا في تناولهما لقوله سبحانه :

    (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) ( الأنعام/52)

    على ما ذكرته لهما قبلا، لم يتوسط آخرون فقصروه على الحقيقة وربما حملوا المعنى في الآية بسبب هذا أيضا ما لا تحتمل، ونذكر على سبيل المثال ما ذكره الطاهر في معنى الغدو والآصال الواردين في قول الله تعالى :

    (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) (النور/36، 37)

    يقول: المراد بالغدو: وقت الغدو وهو الصباح، لأنه وقت خروج الناس في قضاء شئونهم، والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار(1)، مع أن سياق الآية ناطق بغير ذلك، ولك أن تستشعر مصداق ذلك عندما تبصر صدر الآية ذاتها، وكذا وأنت تقرأ قوله تعالى بعد :

    (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .. الآية).

    (1) التحرير 18/248مجلد 9.

    الموضوع الأصلي: // الكاتب: عبير // المصدر: خير بلدنا الزراعي

    كلمات البحث

    راعي عام زراعه عامة .انتاج حيواني .صور زراعية .الصور الزراعية .هندسة زراعية.ارانب. ارنب.الارنب.خضر.خضار.خضر مكشوفة.محصول.محاصيل.المحاصيل.ابحاث زراعية.بحث زراعي.بحث مترجم.ترجمة بحثية.نباتات طبية.نباتات عطرية.تنسيق حدائق.ازهار .شتلات.افات.افة.الافة.حشرات.حشرة.افة حشريا.نيماتودا.الديدان الثعبانية.قمح.القمح.الشعير.الارز.ارز.اراضي طينية. اراضي رملية.برامج تسميد.استشارات زراعية .برامج مكافحة.امراض نبات .الامراض النباتية.مرض نباتي.فطريات .بكتيريا.كيمياء زراعية .الكيمياء الزراعيه.تغذية .التغذية.خضر مكشوفة.صوب زراعية.السمك.زراعه السمك.مشتل سمكي. زراعة الفيوم.مؤتمرات زراعية.مناقشات زراعية.التقنية.براتمج نت.برامج جوال.كوسة, خيار,طماطم.بندورة.موز.بطيخ؟خيار.صوب.عنكبوت.ديدان.بياض دقيقي.بياض زغبي.فطريا



  2. #2

    • عبير
    • Guest

    افتراضي

    هذا وقد تردد المفسرون في متعلق الجار والمجرور في قوله :

    (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال)

    فقيل هو من تمام التمثيل المشار إليه في قوله قبل:

    (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيئ عليم) (النور/35)،

    فيكون للجار والمجرور متعلق، هو الفعل المذكور (يوقد)، والمعنى: يوقد المصباح في بيوت أذن الله لها أن ترفع وهذا ما قاله الرماني، وقيل إن شبه الجملة متعلق بمحذوف وهذا المحذوف صفة لمشكاة على ما ذكره الحوفي ونقله عنه الآلوسي وابن عاشور، والمعنى: مثل نوره كمشكاة مستقرة أو كائنة في بيوت أذن الله أن ترفع، وما بينهما اعتراض، أو صفة لمصباح، وقيل بل للزجاجة.
    ومهما يكن من أمر فشبه الجملة على هذه الأقوال الأربعة قيد للممثل به قصد منه المبالغة فيه، وسوغ مجيئ (بيوت) جمعا مع أن موصوفه المحتمل (مشكاة) أو (مصباح) أو (زجاجة) مفرد، كون المراد بذلك الموصوف الجنس، فتساوى الإفراد والجمع لذا كان تنوين الموصوف للنوعية لا الفردية(1).

    (1) ينظر روح المعاني 18/254مجلد 10 والتحرير18/245 وما بعدهامجلد 9.والأظهر عندي أن يكون متعلق الجار والمجرور أعني في قوله (في بيوت) هو الفعل (يسبح)، ولا يرد على ذلك أن فيه تكرير لشبه الجملة المتعلق به لكون قوله (فيها) الذي وليه متعلق به أيضا، أو وجود أكثر من متعلق بالفعل الواحد … لأنا نقول أن لهذا التكرير سره البلاغي وهو التأكيد والتذكير بما بعد في الجملة، والإيذان بأن ما تقدم من شبه الجملة هو للاهتمام بتلك البيوت والتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح، ويكون قوله (في بيوت)…إلخ، غير مرتبط بما قبله لكونه استئنافا قصد به بيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور والإشادة ببعض أعمالهم(1)، ونظير ما ذكر في التكرير للتأكيد قوله تعالى:

    (ففي رحمة الله هم فيها خالدون) (آل عمران/107)(2).

    وفي النسق الكريم من آية النور تنويه بالمساجد وإعلام بضرورة إيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث:
    (صلاة في المسجد - أي الجماعة- تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة).

    (1) ينظر السابقين.
    (2) وفي مغني اللبيب -هو من توكيد الحرف بإعادة ما دخل عليه مضمرا، وليس الجار والمجرور توكيدا للجار والمجرور، لأن الظاهر – لكونه أقوى- لا يؤكد بالضمير، وليس المجرور به بدلا بإعادة الجار لأنه لا يبدل مضمر من مظهر وإنما جوزه بعض النحاة قياسا - .



  3. #3

    • عبير
    • Guest

    افتراضي

    ويعضد من شأن هذا المساق المعبر فيه بالظرفين والمشاد فيه بملازمة المسجد وبمواصلة الذكر والدعاء فيه سيما في الوقتين المباركين، ما ينبئ به أمثال قوله تعالى مثنيا على الصحابة الكرام عليهم الرضوان:

    (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) (الأنعام/52)،

    وقوله :

    (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) (الكهف/28)

    وكذا ما جاءت به الأحاديث الدالة على فضل المشي إلى المساجد والتردد عليها وانتظار الصلاة فيها بعد الصلاة من نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - :

    (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح)(1)

    وقوله :
    (ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط)(2)

    وقوله :
    (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة)(3)

    وقوله:
    (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده)(4)

    وقوله:
    (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان)

    ثم تلا قوله تعالى:

    (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) (التوبة/18) (5)

    إلى آخر ما جاء في هذا، والوجه في تخصيص الرجال في الآي والأحاديث، أنهم الغالب على المساجد والذين الأصل فيهم أن تكون صلاتهم بها كما في الحديث:

    (ورجل قلبه معلق بالمساجد).

  4. #4

    • عبير
    • Guest

    افتراضي


    المبحث الثالث

    أهم المقامات التي ورد التعبير فيها بطرفي النهار في آي التنزيل

    (1) رواه البخاري 2/124ومسلم669.
    (2) رواه مسلم 251.
    (3) رواه البخاري 2/119 ومسلم 1/460 برقم 275.
    (4) رواه مسلم.
    (5) أخرجه الترمذي 3092 وقال حسن وابن حبان 310 والحاكم 1/212، 213.

    ويجدر بنا بعد أن عرجنا على دلالات التعبير عن طرفي النهار - حقيقة ومجازا وكناية - بمقابلاتها المتعددة في النظم الكريم، وبعد أن وقفنا - ما وسعنا الجهد - على بعض من أسرار تنوع هذه المقابلات ومزايا مجيئها على النحو الذي انصبت فيه، وفاء بحق السياق .. أن نبحر للتعرف على المقامات التي وردت فيها تيك المقابلات طمعا في استجلاء المزيد من دلائل الإعجاز في كتاب الله العزيز، ورجاء الوقوف على بعض أسرار نظمه وبدائع كلمه، ولنبدأ بآخر ما انتهينا إليه وهو:
    مقام الإشادة بالصحابة في ملازمة بيوت الله وإعمارها صباح مساء بالذكر والدعاء:
    ويسترعي انتباهنا في هذا المقام آيتان وردتا في حق الصحابة الإجلاء عليهم الرضوان، هما قوله سبحانه :


    (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الأنعام/ 52)

    وقوله :

    (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف/28)

    أي دائبين على الدعاء في جميع الأوقات سيما ما كان منها في طرفي النهار، ففي الكشاف أنه بعد أن ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا - يعني في قوله :

    (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون) (الأنعام/5) -

    أردفهم ذكر المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته، ويواظبون عليها. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام(1).

    (1) الكشاف 2/21 وأبو السعود 5/218 مجلد 3.وللآيات الواردة في هذا المقام قصة مؤداها أن رءوسا من المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
    لو طردت عنا هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم- وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف - جلسنا إليك وحادثناك، فقال عليه الصلاة والسلام :
    ما أنا بطارد المؤمنين، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طمعا في إيمانهم ...
    وفي رواية أحمد والطبراني وابن جرير والبيهقي أنهم قالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ أنكون نحن تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك واجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا قعودا مع هؤلاء فنزل جبريل بها(1).

    (1) ينظر الآلوسي 7/231مجلد ه.

    والحق أن آخر هذا الكلام - الذي أراد الزمخشري وغيره من أهل التأويل الربط بينه وبين الآية الخامسة من سورة الأنعام - لا يستقيم مع أوله ولا يتمشى مع سياق الآيات، إذ أنى لقوم أن يصدر عنهم مثل هذه الأقوال أن يجعلوا ممن (يخافون أن يحشروا إلى ربهم)، أو يكونوا من المسلمين على ما أقر به الزمخشري، أو يرجى منهم على سبيل التحقيق ما ذكره سبحانه في قوله (لعلهم يتقون).. اللهم إلا أن يكون السبب في نزولها هو ما اقترحه بعض الصحابة على رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم - تعقيبا على ما صدر من أولئك المنكرين، نحو ما روي من أن عمر رضي الله عنه قال: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون، قال: فاكتب بذلك كتابا فدعا بصحيفة وبعلي رضي الله عنه ليكتب فنزلت، فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته"(1) ... فهذا عندي افضل مما قاله الزمخشري ومما تكلف له أبو السعود الذي ذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - "أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتوقع من أهل الكفر التأثر في الجملة، وهم المجوزون منهم للحشر سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين أو مترددين، أما المنكرون له فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم ا.هـ(2)
    قال سلمان وخباب: فينا- أي آية الأنعام – نزلت، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت:


    (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) (الكهف/28).

    (1) الكشاف2/22.
    (2) تفسير أبو السعود3/137مجلد 2بتصرف.

    وفي التعبير عمن نزلت في حقهم هذه الآيات في الموضعين بالموصول، الإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، وبما في حيز الصلة الداعية إلى إدامة الصحبة، أي لأنهم أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة(1)، وهم وإن كانوا عند أهل الكفر والنفاق مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وقوله : (يريدون وجهه) فيهما، في موضع الحال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له الدين، والوجه في تقييده به تأكيد عليته للنهي في آية الأنعام (ولا تطرد)، وللأمر في آية الكهف (واصبر نفسك)، والإعلام بأن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد والحاض على الصبر، وفي التنوع بمجيئ العلة تارة بالنهي وتارة أخرى بالأمر، تأكيد على ملازمة من في حقهم نزلت هذه الآيات ومواصلتهم من قبل النبي بجميع الأوجه، وعليه فلا وجه لما ادعاه أبو حيان في البحر من أن آية الكهف أبلغ من التي في الأنعام.
    ولا يسيئن أحد الظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن طاوع من أشار عليه بطردهم بقوله: نعم، وأن في طردهم ظلم، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش، وأن غرضه من الجلوس مع أولئك الأكابر هو إدخالهم في الإسلام حتى لا يفوتهم خير الدين والدنيا والآخرة فكان ترجيح هذا الجانب أولى، وأقصى ما يقال ان هذا كان اجتهادا منه - صلى الله عليه وسلم - والخطأ في الاجتهاد مغفور والمخطئ فيه على أي حال مأجور.
    وتبقى دلالة السياق على إفادة التعبير بالغداة والعشي للديمومة، سيما مع ما سبق من أن العرب تستعمل هذين اللفظين في التكنية عن هذا المعنى كما في قولهم: (إني آتيه بالغدايا والعشايا)، ويريدون بذلك الاستدامة في فعل المجئ إليه.
    مقام التذرع بالصبر والتسلية بأحوال السابقين:

    (1) ينظر السابق 5/218مجلد3 والتحرير15/305 مجلد 7.

  5. #5

    • عبير
    • Guest

    افتراضي

    ومما يجب التفطن له أن أغلب المواضع التي جاء فيها الذكر الموقوت بطرفي النهار في آي التنزيل وأكثرها شيوعا .. هو ما جاء في حق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن أغلب هذه المواضع سبق الأمر بالذكر والتسبيح فيها، الأمر بالتحلي بالصبر فقد جاء ما يفيد هذا وذاك في القرآن سبع مرات وذلك قوله مخاطبا إياه :

    (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولاتكن من الغافلين )(الأعراف/205)


    وقوله :

    (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) (هود/114)

    وقوله :

    (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ( طه /130)

    وقوله في نفس الآية والسورة :

    (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى)

    وقوله :

    (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) (غافر/55)

    وقوله (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) ( ق/39)

    وقوله :

    (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أوكفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) .( الدهر/25، 26).
    والمتبصر لهذه الآيات يرمق أن الطريقة التي عبر بها عن طرفي النهار في حقه - صلى الله عليه وسلم - فريدة من نوعها، إذ هي - فضلا عن تنوعها- قد غطت كل الأساليب التي ورد ذكرها وتم التعبير بها في القرآن عن هذين الوقتين المباركين، وهذا لم يعهد مثله في سائر المقامات - على ما تم تقصيه- فقد جاء التعبير عن أول النهار وآخره بـ (الغدو والآصال) وذلك عقب الأمر بالذكر في آية الأعراف، و بـ (بكرة وأصيلا) عقب الأمر به مصحوبا بالأمر بالصبر في آية الإنسان، كما جاء التعبير عنهما بـ (طرفي النهار) في آية هود وذ لك عقيب الأمر بإقامة الصلاة، وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)
    وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) في آيتي طه و ق عقيب الأمر فيهما بالصبر والتسبيح، وبـ (أطراف النهار) عقيب الأمر بالتسبيح فقط في عجز الآية سالفة الذكر من سورة طه، وبـ (العشي والإبكار) عقيب الأمر به مصحوبا بالأمر بالصبر والاستغفار في آية غافر.كما يلحظ انفراد هذا المقام بالتعبير عن أول النهار وآخره بـ(طرفي النهار) و(أطراف النهار) إذ التوقيت بهاتين العبارتين اللتين وردتا بالتثنية تارة وذلك عن الأمر بإقامة الصلاة، وبالجمع أخرى عند الأمر بالتسبيح - على تنوعها- لم يأتيا على هذا النحو إلا في حقه - صلى الله عليه وسلم - ، ونظير ذلك في تنوع الأسلوب عند الأمر بالتسبيح، يقال في التعبير عن ذينك الوقتين بـ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) كذا بإضافة الطلوع والغروب للشمس، وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) بإضافة الطلوع فقط إليها، فهذان الموضعان لم يخاطب بهما أيضا على هذا النحو ولم يأتيا على هذه الشاكلة إلا في حقه صلوات الله وسلامه عليه، ناهيك عن مجيئ التعبير عن الوقتين مما لم يخصه وحده بل عمه مع غيره كما في قوله :

    (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) (الأحزاب/41، 42)

    بل إن من مظاهر التنوع في الأساليب التي عرضت في هذا المقام .. مجيئ الأمر بما ذكرنا من ذكر أو تسبيح مقيدا أحيانا بالجار والمجرور أو بالحال كما في آية الأعراف التي قيد الذكر بها في الوقتين بقوله :
    (في نفسك) وبقوله: (تضرعا وخيفة)، ومعللا أحيانا كما في قوله: (وسبح وأطراف النهار لعلك ترضى)
    ويأتي خاليا من كل ذلك أحيانا أخرى كما في سائر الآيات المذكورة.

  6. #6

    • عبير
    • Guest

    افتراضي

    والوجه في هذا التنوع والشمول - فيما أرى - مع تكرار الأمر بالصبر والتنزيه والتلبس بسائر ألوان العبادات الأخرى من نحو الاستغفار وإقامة الصلاة وذكر الله يمثل في أن ما حظي - صلى الله عليه وسلم - به مما حباه الله من كرامة ومكانة خص بهما في الدنيا والآخرة(1) دون سائر أقرانه من النبيين بما فيهم أولي العزم من الرسل، يستأهل وفاء بحق النعمة أن يقابل بالمزيد من إعلان الولاء لله والتذرع بالصبر لمواجهة سيل البلاء الذي يعرض لمن كان هذا حاله، باعتبار أن المرء يبتلى على قدر دينه فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه(2).
    يفسر هذا ويؤيده ما جاء عن ابن مسعود فيما أورده البخاري ومسلم قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فمسسته، فقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قال: فقلت ذلك أن لك أجرين فقال- صلى الله عليه وسلم - : أجل .
    وكذا ما جاء في نحو ما أورده البخاري عن ابن عمر قال: بينا النبي- صلى الله عليه وسلم - ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة ابن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهره - صلى الله عليه وسلم - .. وما أورده الطبري

    (1) فهو صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى وهو الذي قال عن نفسه - فيما رواه ابن عباس وعكرمة، إثر سماعه أناس يتذاكرون، وقد قال بعضهم: عجبا أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وقال آخر: إنه كلم موسى تكليما وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه - ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأن أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر"، والقائل: فضلت على الأنبياء بست… الحديث.
    (2) كما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما أورده ابن حبان جوابا عمن سأله عن أشد الناس بلاء، وثخن في الحديث: أي قوي.
    وابن إسحاق من أن بعضهم عمد إلى قبضة من التراب فنثرها على رأسه - صلى الله عليه وسلم - وهو يسير في بعض سكك مكة(1)، إلى غير ذلك مما عرض له صلوات الله وسلامه عليه من فنون الاستهزاء والغمز واللمز كلما مشى بينهم أو مر بهم في طرقاتهم أو نواديهم مما يضيق المقام بذكره.
    كما يستأهل أن يقابل كذلك بالمزيد مما يستعان فيه بالله من ألوان العبادة من نحو تنزيه الله وقيام الليل وصيام النهار إلى غير ذلك من الأعمال المرضية له سبحانه، من نحو ما جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه - أي تتشقق- فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟(2) ... ونحوه في الصحيحين أيضا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: صليت مع النبي- صلى الله عليه وسلم - ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل وما هممت به؟ قال:

    هممت أن أجلس وأدعه(3) ... وفيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهي رسول

    (1) ينظر تاريخ الطبري 2/344وسيرة ابن هشام 1/158.
    (2) رواه البخاري 8/449، 3/12ومسلم 2819 ،2820.
    (3) أخرجه البخاري 3/15،16ومسلم 773 وأحمد 1/385،396ونحوه حديث حذيفة قال: صليت مع النبي- صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا ـ أي مرتلا بتبيين الحروف وأداء حقها ـ إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه) [أخرجه مسلم 772 وأبو داود 874 والنسائي 2/176،177 وأحمد 5/384 ،397].
    سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم(1).


  7. #7

    • عبير
    • Guest

    افتراضي

    ولنا أن نتأمل بشئ من التفصيل ماجاء في سورة ص حيث لم يقتصر الحديث على نبي الله داود، بل ذكر عقب قصته قصة سليمان وأيوب كما جاء ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذا الكفل فكأنه يقول

    (اصبر على ما يقولون)

    واعتبر بحال سائر الأنبياء، ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص وحزن خاص فحينئذ يعلم أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله لا يتحصل عليها إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا .. وفي آية غافر أيضا التي سبق الأمر بالتسبيح فيه بطرفي النهار، الأمر بالصبر حيث يقول جل ذكره

    (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار)

    لقد جاءت هذه الآية الكريمة عقب الحديث عن فرعون وملإه وما كان من مآلهم وسوء خاتمتهم وذلك بعد أن وقى الله ذاك الذي كان يكتم إيمانه خوفا منهم .. سيئات ما مكروا على عظم الخطر، فقد جاهر بإيمانه عندما استوجب المقام ذلك وراح يدعو قومه آملا في أن ترق قلوبهم لدعوة نبي الله موسى - عليه السلام - ، وطفق على الجانب الآخر يذب عن الكليم ما اشتور القوم لفعله من أمر قتله وهو يصرخ فيهم مقيما حجته:

    (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ) (غافر/28) (2)

    (1) رواه البخاري 4/177 ومسلم 1102.
    (2) والغريب أن يتكرر نفس الموقف أو قريب منه مع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -وصاحبه أبي بكر، وذلك حين أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق النبي - صلى الله عليه وسلم - وخنقه خنقا شديدا بعد أن وضع سلا الجزور على ظهره، فأتى أبو بكر حتى أخذ بمنكب هذا اللعين ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول ما قاله مؤمن آل فرعون: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله..).

+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. القرآن و النبات
    بواسطة أم محمد في المنتدى علم النبات
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 03-03-2011, 12:33 AM
  2. القرآن فلاش
    بواسطة كريم يحيى في المنتدى المنتدي الديني
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 16-01-2011, 05:00 AM
  3. قالوا عن القرآن
    بواسطة كريم يحيى في المنتدى المنتدي الديني
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 03-01-2011, 06:36 PM
  4. التعبير بأقل الالفاظ
    بواسطة البسيط في المنتدى عذب الكلام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 01-08-2009, 10:37 PM
  5. القرآن كائن حي
    بواسطة كريم يحيى في المنتدى قسم الكتب الدينية
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 05-07-2009, 09:43 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك