يرى بعض النقاد أن مصطلح (الواقعية) هو من أكثر المصطلحات النقدية تضليلاً بسبب استعصائه على الضبط والتحديد المفهومي، وضرورة استتباعه بتقييدات مختلفة قارب عددها الثلاثين في (معجم مصطلحات الأدب) لمجدي وهبة (كالواقعية الطبيعية - والانتقادية - والسحرية - والاشتراكية... إلخ) ويكمن جوهر مفهوم (الواقعية الاشتراكية) في جعل فكرة (الاشتراكية) غاية يجب أن يستهدفها أي عمل فني جدير بالانضواء تحت عنوان (الواقعية الاشتراكية) بحيث يؤدّي ذلك إلى جعل وظيفة العمل الفني تحتلّ موقع الصدارة بدلاً من طبيعته.
مع سيطرة الستالينية في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، سيطر التبسيط والتسطّح على مجمل مناحي الحياة الثقافية الروسية. وأصبح ما أطلق عليه (الالتزام بقضايا البروليتاريا) هو المعيار المعتمد رسمياً لقبول الأعمال الفنية وتمكينها من التمتّع برعاية الدولة وفرص العرض والانتشار.
وهذا ما أدّى إلى أن تقبع الاتجاهات التحديثية الروسية في الفن التشكيلي عدّة عقود في الظلال, مقابل تطوّر ملحوظ لفن الإعلان السياسي الذي بلغ شأواً مميّزاً في فترة الحرب العالمية الثانية وفترة ما سمّي بالحرب الباردة، بالإضافة إلى النجاحات الخاصّة التي أحرزها الفنانون السوفييت في تصميم (الميدالية) وتميّزهم بإشادة التماثيل والنصب التذكارية ذات القياسات الضخمة وأعمال الحفر الجداري بشقّيه الغائر والنافر.
أما الاتجاه الواقعي فكان قد ماز التجربة التشكيلية الروسية منذ بواكيرها الأولى سواء كانت تلك الواقعية موظّفة في خدمة التوجّهات السياسية الرسمية للدولة السوفييتية، أم كانت إخلاصاً فنّياً مارسه الفنان على قماش اللوحة وفق رؤاه الجمالية وقناعاته الفكرية. فالفنان الروسي ماليافين أبدع أعماله قبل وصول البلاشفة إلى الحكم، وقد كانت الحياة الفلاحية الروسية موضوعه الأثير إذ رسم حشداً من صور الفلاحات الروسيات بوجوههنّ الطافحة (السمينة) وعيونهنّ الضيّقة وثيابهنّ الطويلة بألوانها القوية الحمراء والخضراء والخاضعة لما يسمّى بالذوق الفلاّحي. ومع ذلك استطاع من خلال هذا الذوق الفلاحي أن ينشئ مهرجاناً فذّاً من البذخ اللوني والحفاوة الاستثنائية يجعل الألوان تقيم تجادلاتها الحادة فيما بينها من أجل تحريك المشهد، وضخّ كميّة كبيرة من البهجة والفرح والمشاعر القوية في جميع أرجاء اللوحة.
مواقع النشر (المفضلة)