قضيت عامي 1986 و1987 متجولاً في أمريكا ولم أتجاوز بعد السابعة عشرة من عمري. وفي ذلك الوقت لاحظت أن المسافرين في المطارات يأخذون ورقة صغيرة من جهاز غامض (يشبه ماكينة الصراف) قبل الصعود للطائرة. وبما أنني أتيت من مكان لم يعرف بعد (حتى مكائن الصرافة) كنت أتوجس خيفة من ذلك الجهاز.. وذات يوم كنت في مطار دالاس حين جلس بقربي شاب لطيف تجاذب معي أطراف الحديث. وحين اقترب موعد صعودنا للطائرة قال فجأة «أووووه نسيت المرور على الجهاز»، فاغتنمت الفرصة وقلت بدوري «أووووه وأنا أيضاً».. وحين وصلنا سألني «كم ستضع فيه» قلت ماذا تقصد؟ قال «خمسة أم عشرة أم عشرين دولاراً؟؟».. ولأنه كان يعتقد أننا - نحن السعوديين - نملك آبار نفط في منازلنا اخترت مكرهاً «العشرين».. وعلى الفور خرج لي ايصال برقم الرحلة والمقعد وبوليصة تأمين على الحياة بعشرين مليون دولار!!!
كان الجهاز ببساطة يبيع وثائق تأمين على الحياة تدفع لعائلة الراكب في حالة سقوط الطائرة. ولأن كوارث الطيران نادرة في أمريكا (حيث لا تسقط طائرة او طائرتين كل عام) غدت الفكرة مربحة لشركات التأمين - وفي نفس الوقت تستحق المغامرة من قبل المسافرين!!
على أي حال - كما هو واضح - انتهت الرحلة بسلام وندمت على ضياع العشرين دولاراً وحرمت التعامل مع ذلك الجهاز (الذي سمعت انه اختفى حالياً بفضل التأمين المباشر على التذاكر)..
هذا الندم - الذي ترافق مع شعوري بالخداع - يظهر الفرق بين ذهنيتين مختلفتين بخصوص فكرة التأمين ذاتها.. ففي حين ينظر الرجل الغربي لوثيقة التأمين كصفقة عادلة تحتمل الربح والخسارة (ولا مانع في خوضها) نراها نحن مجازفة اقتصادية لكارثة نادرة (ينظر اليها كقضاء وقدر)!
والفرق بين العقليتين هو ما يجعلنا نتهرب من فكرة التأمين عموماً (رغم شرعية معظمها) ويجعلنا نستغرب من تنوعها وانتشارها في الدول الغربية..
ورغم كثرة المصائب التي يمكن التأمين ضدها (!) إلا أن اتفاقيات التأمين على الحياة وإصابات العمل تعد الأكثر رواجاً وانتشاراً حول العالم. فاللاعب الفرنسي المعروف زين الدين زيدان مثلاً أمن على قدميه بـ 20 مليون دولار وعلى صلعته بـ 10 ملايين وعلى إصابته بإعاقة دائمة - قبل سن الأربعين - بـ 15 مليون دولار!!
أما عارضة الأزياء الشهيرة سوزان ميري فما تزال صاحبة أعلى تأمين موزع على أعضاء الجسد.. فشركة الأزياء التي تعمل بها استخرجت لها بوليصة تأمين بقية 7,5 ملايين لوجهها، و1,5 مليون لرقبتها، و1,5 مليون لذراعيها، و1,5 لساقيها، و1,5 لصدرها و3 ملايين لأي كارثة عامة تقعدها عن العمل!!
أما المغني المشهور مايكل جاكسون فيملك اتفاقية تأمين مدى الحياة ضد احتمال فقدان صوته (وصلت عام 1997 الى 370 مليون دولار). وبسبب هوسه بتغيير شكله خضع لتسع عشرة عملية جراحية (أبرم قبل كل واحدة منها) اتفاقية تأمين ضد أي خطأ قد يرتكبه الجراح ويتركه مشوهاً بقية العمر!!
- بقي أن أسألك (أنت) بأي العقليتين تتمتع!؟
س: هل تدفع مثلاً عشرين دولاراً فقط مقابل 20 مليون يستلمها ورثتك في حالة سقوط الطائرة (وهو احتمال لا يتجاوز واحداً على 120 مليوناً !؟
س: ولو كنت زين الدين زيدان هل ستدفع خمسمائة ألف دولار في العام، مقابل 45 مليون دولار تستلمها في حالة إصابتك بشكل دائم في الدوري الاسباني!؟
بدون شك لا راد لقضاء الله، ولكنه بالتأكيد يصبح أخف وطأة حين يتضمن (بوليصة تأمين)!
قبل فترة ظهرت على قناة الـ MBC مجموعة من الدعايات التوجيهية المميزة.. وأقول دعايات (تجاوزاً) لأنها ظهرت تحت عنوان "أقم صلاتك قبل مماتك". وقد بدأت إحداها بمشهد لشاب (سهران) على الدش والانترنت حتى الفجر. وحين ينادي المؤذن للصلاة يدخل عليه والده ويغلق التلفزيون ويطلب منه الذهاب للمسجد. إلا أن الشاب يستمر في عمله أمام الكمبيوتر حتى يصاب بسكتة قلبية مفاجئة تقضي عليه!!
وحينها لفت انتباهي براعة المخرج في إبراز (اللحظة) التي توفي فيها الشاب ورأى شريط حياته خلال ثواني. فقد رأى بسرعة خارقة ساعة ولادته وحفل ميلاده ودخوله للمدرسة وتخرجه من الثانوية...!! ومن يومها وأنا أفكر بالكتابة عن هذه الظاهرة التي ثبت مرورها أمام الإنسان قبل لحظات من وفاته. فحين تموت خلايا الدماغ (تفرغ) الذاكرة بسرعة ما تختزنه من أحداث وذكريات.. والعجيب أن شريط الذكريات يبدأ منذ سنوات الطفولة الأولى - التي يستحيل تذكرها في الأحوال العادية..
ورغم أن هذه التجربة لا تمر في حياتنا اليومية إلا أنه يمكن تشبيهها - من حيث السرعة والاختصار - بما يحدث في الحلم حين يرى الإنسان أحداثاً تستغرق أشهراَ وسنوات خلال غفوة تستمر للحظات!!
وقد يقول قائل: طالما أن هذه الظاهرة لا تحدث إلا قبل الموت بوقت قصير فكيف عرف بها الأحياء مثلنا!؟..
في الحقيقة أهم مصدر لهذه التجربة يأتي من الأشخاص الذين اقتربوا من مرحلة الموت النهائي ثم كتبت لهم الحياة مجدداً. وهي ظاهرة سبق أن تحدثت عنها حيث يدخل المريض في مرحلة الموت الأولى ولكنه لسبب غير مفهوم (لا يكمل). وهي حالة تدعى "تجربة الاقتراب من الموت" (أو Near death experiences) يعود بعدها المريض حاملاً ذكريات قوية يصعب نسيانها..
وأول من حاول توثيق هذه الظاهرة ويليام باريت - من الكلية الملكية باسكتلندا - ونشر أبحاثه عام 1926في كتاب بعنوان "رؤى على فراش الموت" (Death Bed Visions). ومما قاله ان من يدخلون في غيبوبة الموت يرون ماضيهم بترتيب واضح وسريع يعود لأيام الطفولة الأولى!!
أما أوسع دراسة في هذا المجال فقام بها الدكتور كارليز أوسيس عضو الجمعية النفسية الأمريكية الذي درس هذه التجربة طوال عشرين عاماً. وخلال هذه الفترة سأل آلاف الأطباء والشهود - ممن حضروا وفاة أقربائهم - وعشرات الأشخاص الذين مروا بتلك التجربة. وفي عام 1977نشر كتابا بعنوان "في ساعة الموت" أو (At the Hour of Death) أشار فيه إلى أن معظم المحتضرين يتصرفون بما يوحي برؤية ماضيهم بسرعة كبيرة - بما في ذلك النطق بأسماء أقرباء فقدوهم منذ ستين أو سبعين عاماً.. ويؤكد الدكتور أوسيس أن هذه الرؤى ليست من قبيل الأضغاث أو الهلوسة لأن أجهزة المراقبة تشير إلى حالة ذهول ومشاهدة حقيقية!
ومن جهة أخرى ثبت في القرآن والسنة أن المحتضر يرى أعماله قبل وفاته ويوم بعثه. كما أنه يشاهد الملائكة عند احتضاره - وقد يتحدث معهم وأهله لا يبصرون - مصداقاً لقوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}... ورؤية المرء لشريط حياته قبل مماته قد تكون من قبيل البشارة للمؤمن {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}، أو قد تكون من قبيل الوعيد للكافر {ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون....}!!
هناك كتب لا نستطيع نسيانها بسبب فكرتها الجميلة و"دمها الخفيف". ومن هذه الكتب كتاب يدعى "أكبر الأخطاء في التاريخ" للمؤلف البريطاني نايجل بلندن. وقد قرأت ترجمة الكتاب في سن مبكرة بعد أن سمعت عنه لأول مرة من كاتبنا المعتزل "فاروق لقمان".. ومن الأخطاء التي جاءت فيه:
باع جورج هاريشن من جنوب أفريقيا مزرعته إلى شركة تنقيب بعشرة جنيهات فقط لعدم صلاحيتها للزراعة. وحين شرعت الشركة في استغلالها اكتشفت بها أكبر منجم للذهب على الاطلاق أصبح بسرعة مسؤولاً عن70% من إنتاج الذهب في العالم!!
وفي إحدى ليالي 1696م أوى الخباز البريطاني جوفينز إلى فراشه ولكنه نسي إطفاء شعلة صغيرة بقيت في فرنه.. وقد أدى هذا "الخطأ" إلى اشتعال منزله ثم منزل جيرانه ثم الحارات المجاورة حتى احترقت نصف لندن ومات الآلاف من سكانها فيما أصبح يعرف "بالحريق الكبير".. جوفينز نفسه لم يصب بأذى!
وفي عام 1347م دخلت بعض الفئران إلى ثلاث سفن إيطالية كانت راسية في الصين. وحين وصلت إلى ميناء مسينا الإيطالي خرجت منها ونشرت الطاعون في المدينة ثم في كامل إيطاليا. وكان الطاعون قد قضى أصلاً على نصف سكان الصين في ذلك الوقت. ثم من إيطاليا انتشر في كامل أوروبا فقتل ثلث سكانها خلال عشر سنوات فقط!
.. وكما هو واضح اقتصر المؤلف (بحكم ثقافته) على أعظم الأخطاء في التاريخ الأوروبي والغربي. وعليه فكرت بالبحث - بطريقة مشابهة - عن أعظم الأخطاء في تاريخنا العربي والإسلامي.. ونظراً لضيق المساحة قررت إيرادها في مقال خاص ومنفصل - ولكن كنموذج فقط إليكم بعضها:
تذكر بعض المصادر أن أحد الملوك البريطانيين اختلف مع البابا في وقت كانت فيه بريطانيا كاثوليكية؛ وكرد انتقامي حرّم البابا تزاوج البريطانيين الأمرالذي أوقع الملك في حرج أمام شعبه. وللخروج من هذا المأزق طلب من ملوك الطوائف في الأندلس إرسال بعض المشايخ كي تتحول بريطانيا للإسلام نكاية بالفاتيكان.. إلاّ أن "جماعتنا" تقاعسوا عن تنفيذ هذا الطلب حتى وصل الخبر إلى البابا فأصلح الخلاف ورفع قرار التحريم (ولك أن تتصور إسلام بريطانيا، ثم ظهورها كامبراطورية لا تغيب عنها الشمس)!!
وكانت فرصة مشابهة قد سنحت للمسلمين من خلال معركة بلاط الشهداء (قرب بواتييه في فرنسا) ففي هذه المعركة كرر المسلمون نفس الخطأ القاتل في معركة أحد؛ فقد تراجعوا لحماية غنائمهم من جيش شارلمان فغلبوا وتوقف الزحف الإسلامي على كامل أوروبا.. يقول أحد المؤرخين الإنجليز "لو لم يهزم العرب في بواتييه لرأيتم القرآن يُتلى ويُفسر في كامبريدج واكسفورد"!!
أما أعظم (خطأ شخصي) في نظري فهو ما اقترفته ابنة الجون الكلابية (وقيل غيرها)؛ فقد تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم وحين دخل عليها بادرته بقولها: "أعوذ بالله منك" فصرف وجهه عنها وقال: "لقد عذت بعظيم، إلحقي بأهلك".. ويذكر بعض المؤرخين أنها فعلت ذلك من باب الدلال؛ غير أن دلالاً بهذا القدر حرمها من دخول التاريخ والانتماء إلى دائرة "أمهات المؤمنين الأطهار"!
آراؤنا المسبقة مسؤولة بنسبة كبيرة عن تشكيل مواقف الآخرين تجاهنا وكيفية تعاملهم معنا.. فإن أخذت مثلا فكرة مسبقة عن شخص بأنه مخادع (أو يضمر لك سوء النية) ستعامله على هذا الأساس وتتصرف معه بفظاظه وحذر (بدون أن يستحق ذلك فعلا).. وحين يشعر هو بمعاملتك هذه يتصرف معك على نفس الأساس (لأن لكل فعل رد فعل معاكس في الاتجاه) وحين يفعل ذلك تشعر أن ما افترضته فيه كان صحيحا (منذ البداية) فتستمر بالتعامل معه على هذا النهج حتى تصلا لنقطة "اللاعودة" ومرحلة التصادم الحقيقي...
وهذا مجرد مثال لنبوءات شخصية نعمل على تحقيقها وتجسيدها بدون وعي منا.. وقدرتنا اللاواعية على تحقيق هذا النوع من النبوءات يندرج تحت نظرية اجتماعية (تحمل نفس الاسم) تشرح دور التوقعات المسبقة في بلورة السلوك البشري.. وهذه النظرية (التي وضعها عالم الاجتماع كي ميرتون عام 1949) تندرج بدورها تحت ظاهرة أكبر تثبت أن أفكارنا - لا تحدد طريقة معاملة الناس لنا فقط - بل وتساهم في تشكيل حياتنا وتجسيد أحلامنا وطموحاتنا!
ورغم عدم نيتي الحديث عن الظاهرة الأكبر
(كوني تحدثت عنها في مقال بعنوان: يبقى الشيء ساكنا حتى تفكر فيه فيتحرك باتجاهك) إلا أنني أود التركيز على دور الآراء المسبقة في رسم الأحداث وتجسيد الوقائع..
فمن الخطير فعلا أن يملك أحدنا "ظنوناً مسبقة" و"آراء جاهزة" كونه سيعمل بلا وعي على تحقيقها.. وكل من يملك شخصية تصادمية - تتمحور حول الشك وسوء الظن - يعمل بلا قصد على أقلمة من حوله للتعامل معه على هذا الأساس.. ويجتمع سوء الظن إلى العنصرية حين نأخذ فكرة خاطئة عن الأجانب فنتصرف معهم بحذر وتشكيك فيتصرفون (بالتالي) برد فعل مماثل (بحيث) يجسدون آراءنا على أرض الواقع / وعندها تتأكد ظنوننا ويزداد رأينا فيهم قوة ورسوخا..
وهذه التركيبة (المحققة لذاتها) قد تحدث بين الأب والابن، والمدير والموظف، والحاكم والرعية، بل وبين الدول ذاتها.. فقد ترى جورجيا مثلا أن روسيا تضمر لها الشر بسبب اقليم أوسيتيا فتعلن حالة الاستنفار ، ومن جهتها ترى روسيا بذلك استفزازا مباشرا فتدفع بقواتها تجاه الإقليم فتنشب حرب فعلية بين الطرفين.. والتوتر الذي يقع على حدود الدول بهذه الطريقة هو السبب الأول لنشوب الحروب والصراعات - حيث يتجسد سوء الظن على أرض المعركة قبل أن يكتشف الجميع عدم وجود سبب حقيقي لمجمل الخسائر - !
... أما الجانب الايجابي في هذه الظاهرة فهو أنها تعمل بنفس الكفاءة على الجانب المقابل لسوء الظن.. فحين تمنح أحدهم ثقتك الكاملة يعاملك (هو) بنفس الطريقة والمستوى فتتأكد (أنت) من صدق حدسك فتستمر في معاملته على هذا الأساس.. فكم مرة مثلا اشتريت شيئا من بقالة الحي ثم اكتشفت عدم امتلاكك للمال الكافي فيقول لك البائع (لا بأس ؛ احضر المال لاحقا) فيتملكك شعور بضرورة تحقيق ثقته بك فترد له المال بأسرع وقت ممكن..
وهذا الأسلوب (في تجسيد النبوءات الحسنة) قد يشكل أساس علاقة حسنة ومتينة بين الأب والابن، والمدير والموظف، والحاكم والرعية، بل وحتى بين الدول ذاتها.. فلو أعلنت جورجيا مثلا ثقتها بموسكو وسحبت قواتها لداخل الحدود لما بقي أمام روسيا (على الأقل حفاظاً على سمعتها الدولية) سوى التجاوب وسحب قواتها لنفس المسافة!
...على أي حال هذه مجرد أمثلة (وكلي ثقة) بمهارتك في تطبيق الجانب الحسن من الفكرة!
هناك قصة مشهورة في الأدب الفرنسي اعتمدت على واقعة حقيقية حدثت في باريس قبل فترة طويلة.. ورغم أنني لم أعد أذكر الأسماء والتفاصيل إلا أنني أذكر المغزى والمفارقة - وبالتالي سمحت لنفسي بإعادة صياغتها على النحو التالي:
... كانت هناك شابة جميلة تدعى (صوفي) ورسام صغير يدعى (باتريك) نشآ في احدى البلدات الصغيرة.. وكان باتريك يملك موهبة كبيرة في الرسم بحيث توقع له الجميع مستقبلا مشرقا ونصحوه بالذهاب إلى باريس. وحين بلغ العشرين تزوج صوفي الجميلة وقررا الذهاب سويا إلى عاصمة النور.. وكان طموحهما واضحا منذ البداية حيث سيصبح (هو) رساما عظيما (وهي) كاتبة مشهورة. وفي باريس سكنا في شقة جميلة وبدآ يحققان اهدافهما بمرور الأيام.. وفي الحي الذي سكنا فيه تعرفت صوفي على سيدة ثرية لطيفة المعشر. وذات يوم طلبت منها استعارة عقد لؤلؤ غالي الثمن لحضور زفاف في بلدتها القديمة. ووافقت السيدة الثرية وأعطتها العقد وهي توصيها بالمحافظة عليه. ولكن صوفي اكتشفت ضياع العقد بعد عودتهما للشقة فأخذت تجهش بالبكاء فيما انهار باتريك من اثر الصدمة.. وبعد مراجعة كافة الخيارات قررا شراء عقد جديد للسيدة الثرية يملك نفس الشكل والمواصفات. ولتحقيق هذا الهدف باعا كل مايملكان واستدانا مبلغا كبيرا بفوائد فاحشة. وبسرعة اشتريا عقدا مطابقا وأعاداه للسيدة التي لم تشك مطلقا في انه عقدها القديم. غير ان الدين كان كبيرا والفوائد تتضاعف باستمرار فتركا شقتهما الجميلة وانتقلا إلى غرفة حقيرة في حي قذر.. ولتسديد ماعليهما تخلت صوفي عن حلمها القديم وبدأت تعمل خادمة في البيوت. أما باتريك فترك الرسم وبدأ يشتغل حمالا في الميناء.. وظلا على هذه الحال خمسة وعشرين عاماً ماتت فيها الاحلام وضاع فيها الشباب وتلاشى فيها الطموح.. وذات يوم ذهبت صوفي لشراء بعض الخضروات لسيدتها الجديدة وبالصدفة شاهدت جارتها القديمة فدار بينهما الحوار التالي:
- عفواً هل انت صوفي؟
- نعم، من المدهش ان تعرفيني بعد كل هذه السنين!!
- يا إلهي تبدين في حالة مزرية، ماذا حدث لك، ولماذا اختفيتما فجأة!؟
- اتذكرين ياسيدتي العقد الذي استعرته منك!؟.. لقد ضاع مني فاشترينا لك عقدا جديدا بقرض ربوي ومازلنا نسدد قيمته..
- يا إلهي، لماذا لم تخبريني يا عزيزتي؛ لقد كان عقدا مقلدا لا يساوي خمسه فرنكات!!
@@ هذه القصة (المأساة) تذكرتها اليوم وأنا أقرأ قصة حقيقية من نوع مشابه.. قصة بدأت عام 1964حين هجم ثلاثة لصوص على منزل كارل لوك الذي تنبه لوجودهم فقتلهم جميعهم ببندقيته الآلية. ومنذ البداية كانت القضية لصالح لوك كونه في موقف "دفاع عن النفس". ولكن اتضح لاحقا ان اللصوص الثلاثة كانوا أخوة وكانوا على شجار دائم مع جارهم لوك. وهكذا اتهمه الادعاء العام بأنه خطط للجريمة من خلال دعوة الاشقاء الثلاثة لمنزله ثم قتلهم بعذر السرقة.. وحين أدرك لوك! ان الوضع ينقلب ضده اختفى نهائيا عن الانظار وفشلت محاولات العثور عليه..
- ولكن، أتعرفون اين اختفى!!؟
.. في نفس المنزل في قبو لا تتجاوز مساحته متراً في مترين. فقد اتفق مع زوجته على الاختفاء نهائيا خوفا من الإعدام. كما اتفقا على إخفاء سرهما عن اطفالهما الصغار خشية تسريب الخبر للجيران.. ولكن الزوجة ماتت بعد عدة أشهر في حين كبر الأولاد معتقدين ان والدهما توفي منذ زمن بعيد. وهكذا عاش لوك في القبر الذي اختاره لمدة سبعة وثلاثين عاما. اما المنزل فقد سكنت فيه لاحقا ثلاث عائلات لم يشعر أي منها بوجود لوك.. فقد كان يخرج خلسة لتناول الطعام والشراب ثم يعود بهدوء مغلقا باب القبو.. غير ان لوك اصيب بالربو من جراء الغبار و "الكتمة" واصبح يسعل باستمرار. وذات ليلة سمع رب البيت الجديد سعالا مكبوتا من تحت الارض فاستدعى الشرطة. وحين حضرت الشرطة تتبعت الصوت حتى عثرت عليه فدار بينهما الحوار التالي:
- من أنت وماذا تفعل هنا!!؟
- اسمي لوك وأعيش هنا منذ 37عاما (وأخبرهم بسبب اختفائه)!
الديانة المسيحية انتشرت في أوروبا بعد تبنيها من الامبراطور الروماني قسطنطين الأكبر عام 312م. غير أن انتشارها لاحقا يعود إلى المبادئ الراقية التي حملتها وجذبت الناس إليها في ذلك الوقت.. فقد لقيت قبول البسطاء بسبب تركيزها على مبادئ العدل والمساواة والمحبة "ومن صفعك على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن".. غير أن المسيحية حرفت بمرور الزمن لدرجة لم تعد جذابة أو مقبولة أو حتى مناسبة للتطور البشري.. فديانة المحبة والتسامح سرعان ما تحولت إلى محاكم تفتيش وصكوك غفران وحروب صليبية وقرارات نفعية "مقدسة".. وحين انقلبت عن أصلها الطاهر بدأت مظاهر التمرد ضدها والمناداة بفصل الدين عن الدولة.. وهكذا تقلص تأثير الديانة المسيحية في الشؤون السياسية والاجتماعية وتحولت الى خيارات شخصية وطقوس تمارس في مناسبات الزواج والوفاة وتعميد الأطفال... !!
وفي المقابل ظهر الإسلام بعد 600عام وحقق انتشارا خارقا (ليس بحد السيف كما يشاع) بل بسبب مبادئ المساواة والتسامح التي وفرت له قوة انتشار ذاتية.. فمن البداية دخل الإسلام المدينة واليمن - على يد مصعب ومعاذ - عن قناعة وإعجاب وطيب خاطر ؛ ثم انتشر في أفريقيا السوداء والهند بفضل الأخلاق الحميدة التي حملها التجار المسلمون لتلك الأصقاع.. وفي عصور أكثر قرباً دخلت شعوب الملايو الإسلام متأثرة بالمعاملة الراقية والأخلاق الفاضلة التي حملها الدعاة والتجار الحضارم إليها !!
... المؤسف هو أن ما يقدمه أبناء الإسلام هذه الأيام يناقض تماما ما كان يقدمه آباؤهم في الماضي.. فاليوم يتم تقديم الإسلام بصورة اعتداءات إرهابية وتفجيرات مدنية وسلب للحريات وكره للثقافات المغايرة.. وبدل دعوة الآخرين (بالحكمة والموعظة الحسنة) يتم صدهم بالسيارات المفخخة وفتاوى القتل الجماعي.. وفي حين يفترض ربط اسم "الاسلام" بكل خلق رفيع ألصق بمنظمات إرهابية تنتهي ب"إسلامي" و "إسلام" و "مسلمين".. ورغم أن النساء زمن الرسول كن أكثر الفئات دخولا في الإسلام (كونه أول تشريع يوفر لهن حقوقا تساوي الرجل) تعاني مسلمات اليوم من الكبت والاضطهاد وسلب الحقوق تحت مسمى الدين والعفاف ودرء المفاسد !!
.. (والمؤلم أكثر) ليس فقط تشويه الإسلام - وصد الآخرين عن دخوله - بل وارتداد بعض أبنائه بسبب عوامل الإحباط والحيرة التي أصابتهم مؤخرا.. ففي حين عجز الفرنسيون -زمن الاستعمار - عن تنصير أبناء الجزائر ذكرت صحيفة اللموند مؤخرا أن معتنقي النصرانية هناك في ازدياد مستمر بسبب موجة التفجيرات والاغتيالات التي وقعت باسم الدين.. وفي حين فشلت البعثات التنصيرية في منافسة الاسلام في الجزر الأندنيسية - خلال الثلاثمائة عام الماضية - تتفاجأ اليوم بارتفاع نسبة المرتدين لصالح المذهب الكاثوليكي.. أما في العراق - حيث التناحر بين الطوائف على أشده - أصبح الكفر بالجميع أسهل طريقة لإظهار الحياد والبقاء حيا.. أما في دارفور فلم يبق للقبائل الأفريقية السوداء خيار غير الارتداد عن الاسلام والاستسلام لحملات الاغاثة التنصيرية درءاً لهجمات الجنجويد العرب !!!
... وفي حال استمررنا على هذا المنوال أخشى أن يتكرر مع الإسلام ما حدث للنصرانية في أوروبا (رغم تأكيدي على سماحة الدين وطهارة المنهج).. فالتطبيق المشوه للإسلام لن يتسبب فقط في صد الآخرين عنه بل وخروج الناس منه أفواجا..
ولأن الذكرى تنفع المؤمنين (ولست إلا في موقف المذكر) أذكّركم بأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان آخر رسول بعثه الله للبشرية وبموته تحملنا نحن مسؤولية حمل الأمانة وتبليغ الرسالة...
مواقع النشر (المفضلة)